الجزائر

ارحموا عزيزا ..

الشروق أونلاين
  • 2771
  • 0

لم تتح لي الفرصة خلال شهر من بداية الحراك لأقول ما ينبغي لأي رجل منصف قوله اليوم، من غير خوف أو رهاب لا من بقايا “محور الشر” في قلب السلطة الفاسدة، ولا من شارع ينساق كل يوم خلف من يتوعد بـ “الويل والثبور” كل من يحاول بالعقل والمنطق تسفيه دعوة “إرحل” التي أراها تنفق مخزونها من السهام في مطاردة الظل بدل الفريسة.
أكاد أصاب بالغثيان، ليس مما ترفعه المسيرات من شعارات كتبت على عجل، ومن غير دراية وإلمام، من قبل شباب أغلبه كان مغيبا عن الفعل السياسي، لا يعلم الكثير عن القوى الخفية التي اختطفت القرار الرئاسي منذ مرض الرئيس، لكني حتما أخجل بالوكالة لما أراه وأسمعه من شريحة واسعة من النخبة السياسية، النقابية، الجمعوية، وحتى الأكاديمية، التي رتعت بالطول والعرض من ريع الجاه والمال طوال العهدات الأربع للرئيس بوتفليقة، ثم أراها لا تحرك ساكنا دفاعا عن شرف رجل دولة قدم الكثير لهذا البلد، مع التسليم بما يصدر حتما عن البشر من أخطاء وسوء تقدير، وبل واستلت السكاكين لذبح عزيز ذل.
وقبل أن تتحرك الألسن بتوزيع تهم جاهزة، تنسب إلي ما ينسبه “المتعودة” من تهم “النفاق” و”التملق” أو ما يختزله العامة في عبارة “الشيتة” دعوني أذكرهم في عجالة، أني منقطع عن النظام، وعن دروب السلطة، كاره لمراعيها من متاع الدنيا منذ أكثر من ثلاثة عقود، كانت لي الجرأة في مواجهة فساد أصهار الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد وأنا على رأس مؤسسة اعلامية معين بمرسوم رئاسي، فشبه لبعضهم امتلاك سلطة قطع الأعناق بقطع الأرزاق، واعتقلت وأهنت، ولم أبالي، ثم دخلت في مواجهة مع الطغمة الاستئصالية ومجتمعها المستفيد، فواجهت ثاني دعوى قضائية بتهمة إهانة رئيس الدولة في عهد الراحل علي كافي، وأنا إلى يومنا هذا على انقطاع مع السلطة، ليس لي صلة لا بهذا الرئيس، ولا بأحد من وزرائه أو ولاته، بل ولا أعرف حتى رئيس البلدية التي هاجرت إليها مع أسرتي أسأل الرزق من مُقدر الأرزاق وحده.
لأجل ذلك، ألتمس في نفسي الحاجة، بل الواجب الأخلاقي، لقول كلمة حق، عن رجل مريض فوق العقد الثامن، سوف يحكم له التاريخ أو عليه، بعد أن تهدأ الأنفس، وينجلي الغبار، وتتبدد الغشاوة، ليثمن له بأمانة وإنصاف ما قدم للبلد من خدمات، ليس على مستوى الانجازات المادية التي لا ينكرها سوى جاحد معاند مكابر، ولا على مستوى صيانة الثروة الوطنية من الافتراس الأجنبي، ولا حتى على مستوى دوره في استرجاع السلم والأمن للبلد، بعد عشرية دموية كادت تفتك بالدولة وشعبها.
سوف أتوقف عند محطتين لا أكثر، وعملين جليلين يحسبان له في ميزان حسناته اليوم، أو عندما يلقى ربه: فأغلب الشباب المنتفض اليوم ـ بحق ـ وهم بتعداد سكان تونس قد ولد في العقدين الماضيين، ليس له إلمام بالكارثة التي تعرض لها البلد في تسعينيات القرن الماضي، حين ورطت الزمرة الاستئصالية الجيش الوطني الشعبي في وحل الاقتتال مع شعبه، وفصمت العروة الوثقى الموروثة عن جيش التحرير بينه وبين شعبه، احتاج البلد إلى عقدين من الزمن لإعادة ترميمها، وتضميد جرحها العميق، وإعادة رتق ما فتقته أيادي الاستئصال الآثمة.
وسط الجلبة الحمقاء، المنفلتة العقال، لم يلتف الشارع الفتي الغاضب إلى تلك الرسالة التي ظل رئيس الأركان يرددها قبل وأثناء فعاليات الحراك حول “العلاقة الحميمية المقدسة” بين الشعب والجيش الوطني الشعبي، ليس فقط من باب طمأنة الأنفس الثائرة (وهو واجب دستوري لا منّة فيه) بل لتبليغ موقف ووعد من هذه المؤسسة يقول في كلمتين تضمنتها رسالة رئيس الأركان، والرسالة المنسوبة للرئيس في 18 مارس: “الشعب وجيشه” هي في تقديري نقلة تاريخية في العلاقة بين مؤسسة الجيش والشعب، تقول عند تفكيكها: أن الجيش الوطني الشعبي قد نقل ولاءه الأول والأخير لـ “قائد عام” اسمه “الشعب” وأنه ليس بوسع أي سلطة قادمة، أو رئيس قادم، أن يحمل الجيش الوطني الشعبي على عصيان “قائده العام” ناهيك عن رفع السلاح في وجهه.
لم يكن ـ في تقديري ـ لهذه المؤسسة أن تنتقل في بحر عقدين فقط، من مؤسسة وضعها المغامرون في دائرة الاتهام في الداخل والخارج، إلى مؤسسة يعانقها الشارع المنتفض، لو لم تجد مساندة ودعما وتشجيعا من رئيس، لم يفقد خيط التواصل مع جيش التحرير، يتمتع بخبرة واسعة، وذكاء سياسي متقد، ساعدا على تفكيك العلبة السوداء، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة، تجتهد منذ عقدين لإعادة بناء العروة الوثقى مع الشعب، والتي لا يمكن أن تبنى الدولة وتستقر دونها.
المحطة الثانية، وهي على نفس القدر من الأهمية، تحيلنا بكل صدق وأمانة إلى تثمين دور الرئيس في تفكيك الآلة الأولى والأبرز التي كانت خلف زرع واستشراء الفساد في جسم الدولة والمجتمع، بما كان لها من دور وسلطة في توزيع ريع الجاه والسلطان والمال على “مجتمع الموالين” مع إقصاء باقي الكفاءات الوطنية، وحرمان البلد من عطاء جيل كامل من الإطارات من ذوي الكفاءات، قد همشتهم “دولة الدي إير إيس” التي يدين لها اليوم كثير من شخوص المشهد السياسي في الموالاة والمعارضة بالوجود وبالاعتلاف المستدام، وما كاد البلد يحرر من قبضتها، حتى استولت عصابة أخرى لا تقل عنها خطورة وفسادا، تحلقت حول شقيق الرئيس و”عصابة الآفسيو” بقيادة علي حداد، هي التي ينبغي اليوم أن يلتفت إليها الشارع الغاضب، ويطالب بطردها ابتداء من قلب السلطة، قبل تدبير محاسبتها بالقانون والقانون وحده، وليس بالاجتثاث الأعمى، ولا بالاستئصال على الشبهة سبق أن دفع ثمنه غاليا عشرات الألوف من الأبرياء الشرفاء الأكفاء.
في خضم الفتنة العمياء في العشرية السوداء، وأمام أشلاء أبنائنا وهي تتطاير في مقبرة مستغانم، وشارع العقيد عميروش، أطلقت صرخة (في مقال) تقول للمجرمين في الطرفين: “دعونا نموت بشرف” واليوم، وفي خضم هذه الجلبة الصاخبة أقول للشارع المنتفض، ولمن يريد أن يركب غضبه ليحرفه عن مساره البناء أقول: “دعونا لا نخطئ في التقدير، ولا نفوت على البلد فرصة لا تعوض لتحقيق التغيير، وتطهير البلد من هذه الطغمة الفاسدة” ثم لا نترك الفريسة ونلاحق الظل، فنحمل هذا الرجل فوق طاقته، وقد خرج من اللعبة منذ إصابته، وليس له نصيب في ما هو قادم، ولا يليق بالشعب الجزائري أن يهينه، أو يغبطه حقه، وحقه اليوم علينا، حتى لو اختلفنا في تقييم أدائه، أن نرافقه في نهاية عهدته وما بقي له من الأجل بقدر من الاحترام، اعتبارا لماضيه كمجاهد، ولجهده واجتهاداته بما لها وما عليها، ولأننا شعب يحترم، كابرا عن كابر، الآباء والأمهات، وكبار السن والعجزة والمرضى، ولأنه بنص الحديث الشريف فإن “من لا يشكر الناس لا يشكر الله” ولأننا كمسلمين تحكمنا الآية الكريمة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”
أو ليس بيننا اليوم رجل حكيم يذكرونا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ارحموا عزيزا ذل، وغنيا افتقر، وعالما ضاع بين جهال”؟

مقالات ذات صلة