-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ارفعوا أيديكم عن المهاجرين الجزائريين

عمر أزراج
  • 1964
  • 0
ارفعوا أيديكم عن المهاجرين الجزائريين
الارشيف

مرة أخرى يخرج اليمين الفرنسي المتطرف مناديا بأعلى حناجر العنصرية بالتضييق على الجالية الإسلامية وفي صدارتها أبناء وبنات الجالية الجزائرية المسالمة، ولقد وصل الأمر بهذا اليمين المتشنج والمريض نفسيا إلى دعوة الحكومة الفرنسية بتسفيرهم الجماعي ونزع الجنسية عنهم، وبالتالي التخلي عن حقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي تكفل ذلك.

إن الحدث الدامي والعدواني في حق المواطنين والمواطنات الأبرياء في فرنسا مرفوض ومدان فعلا، والذين قاموا به لا يمثلون من قريب أو من بعيد جوهر الثقافة الإسلامية والإفريقية ولا الجالية المسلمة، بل هم نتاج الإقصاء والتهميش وخلل الهوية التي سُلبت منهم بفعل سنين طويلة من التغريب المنهجي الرديء والإبعاد القسري عن ثمرات الحداثة والتنوير وعن الرفاه الاجتماعي، وعن منابع العلم، والفن، والفكر، وكل أشكال ومضامين الثقافة المتطورة، واجتثاث علاقتهم بمرجعياتهم الثقافية الإنسانية التي أمعن في طمسها وحذفها من البرامج التعليمية في المدارس والمعاهد الفرنسية الرسمية التي تصرّ دائما على طرد كل ما لا يمت إلى الدم الأزرق الأوروبي الذي هو أسطورة الرجل الأبيض التي يسحبها معه حيث يرحل وحيث يقيم.

يبدو واضحا أن اليمين الفرنسي المتطرف لم يُلقّح بعد بلقاح حقوق أفكار وأخلاقيات التنوير، بل إنه يعيد إنتاج رماد الثقافة العنصرية وأوهام فكر غوبينو العنصري، وألكسيس دو توكفيل الاستعماري الذي حلّل دماء الجزائريين في عهد الاحتلال الفرنسي للجزائر، وبعدها كتب كتابهالديمقراطية في أمريكاليظهر أمام الغافلين والسذج كداعية للديمقراطية التي نحرت ملايين الهنود الحمر بعد مطاردتهم في الجبال والوديان.

ويبدو واضحا أيضا أن هذا اليمين يغلق آذانه وعيونه لكي لا يرى أو يسمع مواقف المفكرين والمثقفين الفرنسيين الذين حذروا مرارا من فيروس الثقافة العنصرية التي تختبئ تحت عباءة العلمانية الشكلية، والوطنية المغلقة على نفسها في عصر العولمة وتجاور وتناصّ وضرورة حوار الثقافات في عالمنا المعاصر.

إنه من الضروري تذكير هذا اليمين بما كتبه الفيلسوفُ الفرنسي في عام 1947م وفي أوج عمليات تحطيم هوية الجزائريين في الأرياف والمدن. لقد قال هذا الرجل مخاطبا المستعمرين الفرنسيين بالدرجة الأولى: “إن الليبرالية الغربية مؤسسة على العمل الإجباري وعلى الحروب، ومن وجهة نظر الموقف الأخلاقي فإن قتل الأسود في لويزيانا أو المواطن في اندونيسيا أو في الجزائر لا يقل عن قتل رابوشوف“.

ثم كتب هذا الفيلسوف في عام 1960، أي أثناء بطش اليمين الفرنسي المستعمر بالجزائريين قائلا للفرنسيين: “لقد أصبحنا نفهم أن قضية القضايا لا تكمن في كون الإنسان شيوعيا أم لا. إن الحرب في الجزائر قد ألقت الظلام على فجر مثل هذا الفهم. إن هذه الحرب قد نصّبت في فرنسا نظاما ضعيفا وممزقا ومتردِّدا لم يعد قادرا على الحكم مثل النظام السابق عليه. إن هذا يجب أن يصبح واضحا أكثر عندما يصل النوم المغناطيسي الفرنسي أو الابتهاج الذي يعتمد على حالة الحرب، إلى نهايته مع الجزائر“.

هناك مفكرٌ فرنسي آخر وهو جان فرانسوا ليوتار خاطب اليمين الفرنسي في عام 1989، وذكّره بحقائق التاريخ التي لا تزال طرية، ولا يزال هذا اليمين يرفض التخلي عنها، بل إنه يعمل كل ما في وسعه لتتكرر مع أبناء جاليتنا المهاجرة في فرنسا. قال ليوتر: “إن الجمهورية الفرنسية قد خططت لإثقال كاهل قليل من الجزائريين الشبان بثقافة مستعارة، في حين أن ثقافتهم التي هي ثقافة شعبهم: لغتهم، وفضاؤها، وزمانها، كانت ولا تزال تُحطّم باستمرار بواسطة الاحتلال الفرنسي على مدى قرن من الزمان“.

هناك أيضاً صوت الفيلسوف جاك دريدا الفرنسي الجنسية الذي ما فتئ يذكّر الفرنسيين وفي الصدارة التيار اليمين أيضا وأعاد تذكره في كتابهماذا غدا؟الصادر في عام 2001  بعنف تاريخ استعمارهم الذي يعاد اجتراره الآن تجاه أبناء جاليتنا المغتربة والمغرَّبة: “لنرجع إلى الجزائر لبرهة قصيرة. كان النظام المدرسي فيها، على الأقل من جهة المبدأ والقانون، مماثلا بالمطلق للنظام في العاصمة الأمّ: القواعد نفسها، القيم نفسها، النمط اللساني نفسه. وكانت تلك المدرسة تريد أن تكونجمهوريةوالجمهورية، لعلها، كما نعلم، أكثراستعمارية، أي توسعية باسم قيم عالمية شاملةأكثر مما هي عليه الديمقراطية، مهما كان تصديقنا حتى حينها لذلك التعارض المصطنع والهشّ. كانت تلك المدرسة الجمهورية تستبعد بالطبع كل رجوع، أكاد أتجاسر وأقول كل تلميح، للجزائر وللغة العربية. بل كانت تميل إلى استبعاد وإقصاء الجزائريين أنفسهم“. 

هذا هو التراث الثقيل الذي يُنقل الآن بأساليب وحيل تلد أخرى إلى أجيال المهاجرين الذي يقال لهم إنه يجب أن يكون إسلام فرنسا إسلامكم، وأن تكون هوية فرنسا هويتكم في الدنيا وفي الآخرة، وأن يكون الرقص الفرنسي رقصكم حيثما حركت الطبول أجسادكم، وإلاّ سنرحّلكم، ونسلخ عنكم جوازات السفر الفرنسية والجنسية الفرنسية.

 

في الوقت الذي يدعو العلماء والمفكرون والمصلحون التنويريون إلى الحوار الحضاري في إطار التنوع والاختلاف الذي لا يُفسِد للعيش المشترك قضية، نجد اليمين الفرنسي يزجّ بالجميع في صندوق التماهي المطلق والمثبت الذي يلغي التفرّد والتواريخ والهويات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • يوسف

    إن إخواننا المهاجرين يعيشون الضعف و النكسة واجب علينا مساعدتهم و الوقوف معهم نفسيا و معنويا , كما يجب على الدول المغاربية بعث رسائل وإشارات المؤازرة و الاطمئنان . سفك الدماء و الترويع باطل ومرفوض خاصة إذا تعلّق بالمدنيين والأبرياء.صبرا يا آل ا"لغربة "موعدكم النصر .

  • مواطن

    جيد جدا أن نذكر اليمين الفرنسي أفعال الاستعمار أيام كانوا يدعون أن الجزائر أرض فرنسية وسكانها لا يرضون غير الانتماء إلى جنسيتهم الفرنسية.هاهم اليوم يحاولون إبعاد من فرضت عليهم الظروف الوجود في بلد جلبهم لحاجته إليهم ولمقاومة هتلر والنازية بينما اختار الكثير من الأعين الزرقاء العمالة أي خيانة الوطن.لكن الحقيقة أن دولة الوطن الأصلي تخلت عنهم عكس ما تقوم به الحكومات ذات الشأن لو احتارت لهم من يزورهم من العلماء المرشدين المناضلين الذي يعرفون دورهم للنهوض الثقافي وليس سياحا يبحثون عن العملة والبزنسة.

  • Mouhajir

    Khorti fi khorti

  • نعمان سحنون

    الشكرالجزيل لكاتبنا المحترم.
    تحليل دقيق لحالة المهاجر المسكين الذي يعاني الغربة اينما حل وارتحل .