استنساخ حاليلوزيتش
يعتقد أغلب الجزائريين، أن كرة القدم هي المجال الوحيد الذي يُمكّنهم من ممارسة الوطنية، من القراءة الجهورية للنشيد الوطني، بعيدا عن مناسبات ذكرى الثورة والاستقلال، إلى رفع العلم الوطني والتقاء جميع فئات الشعب من أجل هدف النصر الواحد…
-
والذين رفضوا منح إدارة مؤسساتنا الاقتصادية الفاشلة، ويرفضون مجرد التفكير في منح إدارة الجامعات والمستشفيات العمومية لإطارات أجنبية، حتى وإن كانت حاصلة على جوائز نوبل، يقبلون بأن نمنح قيادة لعبة كرة القدم لخبير أجنبي، ولا يمانعون في أن يكون مرتبه مليار سنتيم، كما هو الشأن مع مدرب المنتخب الجزائري الحالي، وهو رقم مجموع ما يتقاضاه حوالي ألف خريج جامعي يصطفون أمام أبواب مراكز التشغيل، والغريب أن البرلمانيين الذين طالبوا باستفسارات حول هزيمة مراكش الثقيلة، لا أحد منهم سأل عن المليار الذي سيتقاضاه مدرب المنتخب الوطني، خاصة أن الطاقم المسير لعالم الكرة عندنا، وضع هدف كأس العالم 2014 مبتغى، أي أن المدرب سيبلغ لوحده من دون حساب المنح ومصاريف العمل وأشياء أخرى، ما لا يقل عن أربعين مليارا في رحلة تأهل تم تحقيقه في خريف 1981 بمدربين ولاعبين، كانوا يحصلون نظير انتصاراتهم على تلفزيونات ملونة، وسيارات من نوع هوندا، يسددون أثمانها بالتقسيط.
-
قد يكون وحيد حاليلوزيتش هو الجراح الذي سيُخرج الكرة الجزائرية من قاعة الإنعاش، التي تتواجد فيها منذ عقدين، رغم أن هذا الجرّاح سيتقاضى ما لم يحلم به الطبيب العبقري، إلياس زرهوني، المتواجد حاليا في غربة علمية بالولايات المتحدة، حيث يشرف على المنظومة الصحية الأمريكية، ولا البروفيسور كمال صنهاجي، الذي هو أمل فرنسا والعالم في القضاء على مرض السيدا، لكن لماذا لا يهتم الجزائري ببقية القطاعات الحيوية، التي جعلت حياته أشبه بالتوقف الاضطراري أو “ليسكال”، ويطالب بانتداب كفاءات لأجل النهوض بها، وبعثها من تحت الردم، لأن تمكّن وحيد حاليولوزيتش من قيادة المنتخب الجزائري للفوز بكأس العالم عام 2014 لن يكون له معنى، إذا بقي قطاع الصحة يمنحنا الأوجاع بدل الشفاء، وقطاع الفلاحة الاستيرادَ بدل التصدير، وقطاع الصناعة غلقَ المؤسسات بدل تطويرها، وجامعاتنا تُنتج لنا مزيدا من جيوش البطالين.
-
في كرة القدم كلنا مذنبون، وليس رئيس اتحاد الكرة وحده، فقد اختصرنا الرياضة، وأحيانا الحياة في لعبة الكرة، رغم أننا حصلنا على بطولات عالمية في ألعاب القوى، وحصدنا أرقاما قياسية غير مسبوقة فيها، وحصدنا ميداليات أولمبية من كل المعادن في المصارعة والملاكمة وألعاب القوى، في الوقت الذي كان أهم إنجاز في عالم الكرة هو الحصول على بطولة إفريقيا جرت على أرضنا، وفي غياب كل المنتخبات الإفريقية القوية، والجزائري الذي كان يسمي مزدوجي الجنسية في الزمن البومدييني بالخونة، صار يمنحهم وسام وطنية فوق العادة، حتى إن كان اسمه فابر أو كارل، ولم تطأ قدمه أرض الجزائر، ويطالب باستقدام أكبر مدرب في العالم، وهو يعلم أنه سيتقاضى مرتبا بحجم ميزانية قطاع حيوي، قد يعني مصير الأمة.
-
صحيح أن ما يتقاضاه المدرب الإيطالي كابيلو مع منتخب انجلترا في الشهر، هو أضعاف ما سيتقاضاه وحيد حاليلوزيتش في السنة، وصحيح أن الهولنديين والفرنسيين والألمان صاروا يُجنسون السود والعرب لحمل ألوان منتخبات بلدانهم، وصحيح أن الكرة هي حياة بالنسبة لكثير من الشعوب، لكن الصحيح أيضا، أن أنجلترا تمنح ما لا يقل عن مليون دولار لكل مخترع يعيش على أراضيها، والفرنسيون والهولنديون والألمان، يُجنّسون عباقرة العرب وإفريقيا في مختلف العلوم، ولا يختصرون حياتهم، كما نفعل بين خط التماس والركنية.
-
قد تكون الاتحادية الجزائرية لكرة القدم وحدها من شخّصت الداء واقترحت الدواء، لكن لماذا لا تفكر بقية القطاعات بهذه الطريقة، فيكون لنا حاليلوزيتش في الجامعة وفي الاقتصاد وفي التخطيط وفي الثقافة، وهل ستوافق الحكومة على الاستثمار في عباقرة العلم؟ وهل سيضحي الشعب بصمته على ملايير تصبّ لأجل العلم والتكنولوجيا لأجل تأهيلنا فعلا للحياة الكريمة، وليس لكأس العالم الذي شاركت فيه ترينيداد وتوباغو والتوغو وغيرها من البلدان التي لا تملك ذرة من خيرات الجزائر!؟