اضطراب الغرب.. فرصة لنا!؟
يعترف الغربيون اليوم أنهم بدأوا يفقدون زمام المبادرة إن في الاقتصاد أو في السياسة أو في الحرب، بل ويعترفون أن المجال أصبح مفتوحا في الفترة الأخيرة لأكثر من دولة، يمكن أن يُصبح لها دور إقليمي لا تستطيع أن تنافسها فيه أكبر القوى. وبدأ ذلك يتعزز يوما بعد يوما من خلال أكثر من مؤشر اقتصادي وجيواستراتيجي.
لم تعد الكتلة الغربية مثلا متجانسة في مواقفها (برغم المظاهر العلنية)، كل يتصرف وفق مصالحه القومية من دون مراعاة الآثار الجانبية التي سيتركها هذا التصرف على غيره. لا تكترث الولايات المتحدة الأمريكية مثلا لزيادة النفقات العسكرية في أوروبا جراء الحرب الدائرة في أوكرانيا، بل تسعى للاستفادة من ذلك، ولا تكترث ألمانيا باقتصاديات باقي الدول الأوروبية عندما تدعم اقتصادها بما يزيد عن 200 مليار دولار أمريكي من دون مراعاة واقع الاقتصاد الفرنسي الذي بلغ الدين العمومي به 112,8% مقابل 68.6% فقط لألمانيا، ولا تكترث المجر للعقوبات المفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي على روسيا، بل تعلن صراحة معارضتها لذلك و تَمتنع عن إدراج شركتي “غازبروم” و”روساتوم” ضمن قائمة الشركات المعاقبة، وتسعى كل دولة أوروبية (إيطاليا، اسبانيا… الخ) إلى حل مشكلاتها على حدى دون مراعاة وضع الآخرين، إلا ما تُبديه من الناحية السياسية في الاجتماعات العلنية للاتحاد الأوروبي، بل أن بلدا مثل فرنسا استقبل في بداية الشهر الماضي أكبر مغناطيس في العالم عبر ميناء مرسيليا لتشغيل محطة لإنتاج الطاقة الهيدروجينية… ولم تكترث الحكومة الفرنسية أن هذا الجزء الضخم من المفاعل (200 طن) صُنِع في روسيا المعاقبة من قبل الاتحاد الأوروبي والغرب عامة…
واستغلت الصين بالدرجة الأولى هذا الوضع لتطور مصالحها الاقتصادية والجيو استراتيجية في العالم، فتقدمت أكثر في إفريقيا وفي المنطقة العربية، وامتد نفوذها إلى جنوب شرقي آسيا معززة استراتيجية الحزام والطريق، وامتنعت عن التصعيد في المسألة التايوانية قبل سنة 2027 تاريخ مائوية جيش التحرير الشعبي الصيني الذي سيصبح فيها “رائدا على المستوى العالمي” (كما جاء في خطاب الرئيس الصيني في المؤتمر الأخير للحزب)، أي أنه سيُصبح أقوى قوة في العالم متفوقا على الجيش الأمريكي، وعندها لن تردعه القوة الأمريكية لتأكيد وحدة الصين الترابية في الوقت المناسب…
ويبدو أن الكثير من دول العالم اليوم باتت تسعى هي الأخرى لإعادة التموقع في مثل هذا الوضع المضطرب والموات في آن واحد. ويمكن إدراج التغيرات الحاصلة اليوم على الصعيدين العربي والإفريقي للتخلص من الهيمنة الغربية والتقدم خطوات نحو الاستقلال بالقرار السياسي في هذا الإطار.
إن التطورات الحاصلة اليوم على الصعيد العالمي تمنح فرصة كبيرة لِبُلداننا لتبدأ سياسات مستقلة تخصها، وتتخلص من عبء عقود من السيطرة الغربية الواضحة التي كانت تمنع عنها حتى مجرد المناورة.
لقد أصبح اليوم المجال مفتوحا لإعادة النظر في كثير من المواقف والتحالفات من دون خوف من التدخلات الغربية التي عادة ما كانت تتم بطرق مباشرة أو غير مباشرة…
لقد طالت مرحلة الوصول إلى هذه الفرصة الاستراتيجية، ولكنها حانت بالنسبة للدول النامية، إنها لا تحتاج سوى إلى الأخذ بزمام المبادرة، وبلورة رؤيتها المستقبلية للعقود القادمة، والشروع في العمل من الآن لتحقيق ذلك.
إن الطريق سيكون شاقا وطويلا لا شك في ذلك، باعتبار الفوارق الكبيرة بين الجنوب والقوى الكبرى، إلا أن التبدلات البعيدة المدى تبدأ عند إدراك الفرصة السانحة. وها هي فرصتنا السانحة تلوح في الأفق، وتفتح لنا باب الأمل واسعا، فلا نُضيعها..