-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اعتذار أقبح من ذنب  

عمار يزلي
  • 2085
  • 0
اعتذار أقبح من ذنب  

عندما كان الحديث قبل فترة في فرنسا عن حرية التعبير وضرورة احترامها بل وتقديسها، كان الأمر يتعلق “بالإساءة إلى نبي الإسلام والمسلمين”، لهذا كانت الحملة الشرسة ضد من يعادون الرسوم المسيئة في “شارلي إيبدو”، التي تبنت الموقف المؤيد والمساند للحملات الدنماركية في توظيف الرسوم الساخرة ضد الإسلام والمسلمين وبالذات ضد النبي محمد عليه أزكى الصلاة والسلام.

وقتها، انبرى حتى الرئيس الفرنسي في مغازلة لليمين واليمين المتطرف، في الدفاع عن “حرية التعبير” واعتبر أن نشر الصور المسيئة، هي من صميم حرية التعبير التي لا يحيد عنها الفرنسيون ولا يقبلون بديلا عنها، غير أنه سرعان ما وقع هو نفسه عينه قبل أقل من سنتين في نفس الحفرة التي حفرها لغيره عندما دافع عن الرسوم المسيئة على أنها حرية تعبير وحرية التعبير مقدسة في النظام أللائكي.. هذه المرة، كان هو مثار رسم ساخر رفع أثناء الاحتجاجات الفرنسية على الغلق وإلزامية وضع القناع أثناء جائحة كوفيد19، فكان أن رسم الرئيس الفرنسي في زي هتلر. فقامت قيامة الرئيس وهاجم الصحيفة، مهددا بمقاضاتها، لأنها أساءت إليه باعتباره رئيسا للجمهورية، ثم ها هو اليوم قصر الإليزيه، يعتبر ما نشرته “لوموند” في 1 سبتمبر، أي قبل أيام فقط، مسيئا لرئيس الجمهورية ويتدخل “القصر” ليطلب من إدارة التحرير أن تمرر مشط الرقابة في رأس مقال الأستاذ الباحث والجامعي والكاتب “بول ماكس مورين”، وتستعمل مقص “حلاق باريس”، لأن المقال لم يعجب القصر، وهذا قبل أن يأمر القصر بقطع الرأس المحلوق.

يقول صاحب المقال، أن أحدهم اتصل من القصر ليطلب من إدارة التحرير إعادة النظر في عبارات وردت في المقال تتحدث عن اختصار الرئيس ماكرون بعد زيارته للجزائر مؤخرا، للاستعمار الفرنسي إلى “علاقة حب كان لها نصيب من المأساة” بعد أن كان ماكرون قد قال سنة 2017، بأن “الاستعمار جريمة ضد الإنسانية”، وبذلك يقول كاتب المقال ويعلل مقاله بأن ماكرون غير من موقفه وموقعه باتجاه اليمين، غير أنه، يقول “ماكس مورين”، بعد نحو نصف ساعة، أعاد نفس المتصل الاتصال من القصر ليطلب من الإدارة حذف المقال برمته. فالطلب هذه المرة جاء من أجل قطع الرأس وليس مشطه أو حتى حلقه و”تعشيبه” من عبارة أو جملة أو كلمة فسرت كما يقول اعتذار الجريدة، الذي كان عذرا أقبح من ذنب. اعتذار للقراء ولرئيس الجمهورية، كان القطرة التي أفاضت كأس الإعلام الفرنسي بشأن هذه القضية.

يقول “مورين” الذي فوجئ بحذف المقال، أن الموضوع، كان بطلب من إدارة التحرير وقد تم التفاهم على زاوية التناول وكانت تتمحور بالذات حول “انزياح الرئيس ماكرون إلى اليمين في القضية الجزائرية وقضية الذاكرة وتخليه عن مواقفه السابقة في 2017″، بعد أن كان يعتبر الاستعمار جريمة ضد الإنسانية اختزلت مؤخرا اليوم، مغازلة لليمين في كونها مجرد “قصة حب شابتها مأساة”.

الحملة الإعلامية في فرنسا ضد ممارسة الرقابة على حرية التعبير والصحافة وضد تدخل المؤسسات في حرية الرأي، ما هي إلا حالة تشنج تنم عن شيزوفرينيا تطبع كل الأنظمة مهما كانت، لكن بمستويات معينة، كما تشي بأن حرية التعبير عند البعض، لا تعنيهم هم بالذات، بل تعني فقط “الغوييم”، “الأغيار” من عرب ومسلمين وسود ولو كانوا أنبياء.. ونموذج “الإساءة” للرئيس ماكرون، وحملة الإساءة للنبي محمد المتكررة، تكشف زيف المسألة برمتها وأنانية واستعلاء وكبْر ما هم ببالغيه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!