اعتراف السفير الأمريكي هاكابي وما يعنيه للعالم الإسلامي!!
لم يعد ممكناً التعامل مع بعض التصريحات الغربية حول الشرق الأوسط باعتبارها زلات لغوية أو مواقف فردية. ففي لحظة سياسية مشحونة، تداخلت العقيدة الدينية مع الخطاب الجيوسياسي بشكل علني، ما أعاد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر حدة: ماذا يحدث عندما تتحول النصوص المقدسة إلى أدوات لتبرير مشاريع القوة والنفوذ؟
في مقابلة إعلامية حديثة، أشار السفير الأميركي لدى إسرائيل إلى رؤية تستند إلى وعد توراتي يمتد «من نهر مصر إلى الفرات»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك خطب إذا أُخذت كل تلك الأراضي». لم يكن هذا التصريح عابراً؛ فقد صدر عن ممثل رسمي لإحدى القوى الكبرى في العالم، وفي سياق إقليمي شديد الحساسية، حيث تتقاطع الحرب في غزة مع توترات أوسع في الشرق الأوسط.
بين اللاهوت والسياسة
ما يثير القلق في هذه التصريحات ليس مضمونها فحسب، بل الإطار الذي قُدمت فيه. فحين تُستدعى نصوص دينية لتبرير خرائط سياسية معاصرة، يصبح النزاع أكثر تعقيداً. يتحول من صراع على الأرض والحقوق إلى صراع رمزي يُلبس لباس القداسة، ما يجعل أي تسوية سياسية أكثر صعوبة.
هذا التداخل بين العقيدة والسياسة ليس جديداً في التاريخ، لكنه يكتسب اليوم بعداً مختلفاً في ظل نظام دولي مضطرب. فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل أيضاً بالسرديات: من يملك الرواية، يملك جزءاً من الشرعية.
ردود الفعل في العالم الإسلامي
التصريحات أثارت موجة ردود فعل واسعة في العالم الإسلامي. فقد عبّرت عدة دول ومنظمات إقليمية عن رفضها لأي طرح يمس بسيادة الدول أو يبرر التوسع على أساس ديني. صدرت بيانات رسمية تؤكد التمسك بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وتدعو إلى احترام حدود الدول وحقوق الشعوب.
غير أن ما لفت الانتباه كان أيضاً حجم الصمت في بعض العواصم الغربية. هذا الصمت فُسّر في كثير من الأوساط باعتباره علامة على أزمة أعمق في النظام الدولي، حيث تتزايد الفجوة بين الخطاب الرسمي حول القانون الدولي وواقع السياسات على الأرض.
أصوات يهودية معارضة
في المقابل، لا يمكن اختزال الموقف في ثنائية دينية مبسطة. فقد صدرت مواقف من شخصيات ومنظمات يهودية تعارض توظيف النصوص الدينية لتبرير العنف أو التوسع. هذه الأصوات ترى أن الخلط بين الإيمان والسياسة التوسعية يضر بالعدالة وبصورة الدين نفسه.
وجود هذه المواقف يذكّر بأن الصراع ليس بين أديان، بل بين رؤى سياسية مختلفة، وأن داخل كل مجتمع تنوعاً في الآراء والمواقف.
النظام الدولي أمام اختبار
ما تكشفه هذه اللحظة هو أزمة أعمق في بنية النظام الدولي. فحين تُطرح مشاريع سياسية بصيغة لاهوتية، ويُقابل ذلك بصمت أو بردود فعل محدودة، يتآكل مفهوم القانون الدولي نفسه. تصبح القواعد قابلة للتأويل بحسب ميزان القوى، لا بحسب المبادئ المعلنة.
في هذا السياق، تتحول غزة إلى أكثر من مجرد ساحة حرب؛ تصبح رمزاً لاختبار العدالة الدولية. كيف يتعامل العالم مع معاناة المدنيين؟ وهل تبقى المعايير واحدة للجميع، أم تتغير وفق الحسابات الجيوسياسية؟
مسؤولية العالم الإسلامي
بالنسبة للعالم الإسلامي، تطرح هذه التطورات أسئلة استراتيجية:
هل يكفي إصدار بيانات الإدانة؟
كيف يمكن ترجمة المواقف إلى سياسات فعالة؟
وما الدور الذي يمكن أن تلعبه الدبلوماسية الجماعية، والاقتصاد، والإعلام في صياغة موقف موحد أكثر تأثيراً؟
الواقع يشير إلى أن مرحلة البيانات وحدها لم تعد كافية. فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية، حيث تتشكل التحالفات وفق المصالح والقدرة على الفعل. وفي هذا السياق، يصبح التنسيق بين الدول الإسلامية عاملاً حاسماً في تحديد مدى قدرتها على التأثير في مسار الأحداث.
أخيراً
التصريحات التي أعادت إشعال هذا الجدل قد تكون مجرد حلقة في سلسلة طويلة من التوترات، لكنها تكشف تحوّلاً أعمق في طبيعة الخطاب السياسي العالمي. حين يُستدعى المقدس لتبرير الصراع، يصبح الخطر مضاعفاً: على السياسة، وعلى الدين معاً.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع المجتمع الدولي إعادة الفصل بين الإيمان والسياسة، بين النص المقدس والقرار الجيوسياسي؟ أم أننا أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الحدود بين الاثنين بشكل غير مسبوق؟
الإجابة ستتوقف على ما سيحدث في الأشهر والسنوات القادمة، وعلى قدرة الدول والمجتمعات على الدفاع عن مبادئ العدالة والقانون بعيداً عن منطق القوة وحده.