الجزائر

اعْصبُوها برَأسي وقولوا جَبُنَ عتبة

الشروق أونلاين
  • 4137
  • 0
أرشيف

الرّسالة التي قرأها مدير حملة المترشّح عبد العزيز بوتفليقة، الوزيرُ عبد الغنيّ زعلان، في بهْـوِ المجلس الدّستوري، عقِب إيداع ملفّ موكّله ليلة الثالث من مارس الجاري، لم تكن رسالة عاديّة، فهي “خريطة طريق” قلّصت الخامسة إلى سنة واحدة، لمن يحسب جيّدا حساب العواقب.
بيْد أنّ وصولها في ظرف محتقن جعل قراءتها مندرجة في سيّاق علا فيه صوتُ المسيرات والاحتجاجات الرّافضة للعهدة الخامسة، على كلّ صوت آخر.
ولذلك لم تجد آذانا صاغيّة، لأنّها ـ في قراءة المحتجّين ـ وصلت متأخّرة ومفتقرة إلى المصداقيّة وإلى الثّقة والضمانات الكفيلة بتجسيدها حرفيّا على الأرض.
وهي في نظرهم لا تعدو أن تكون كسابقاتها دعاية انتخابيّة، ومسكّنًا جديدًا سوف يزول مفعوله بعد أن تهدأ الأعصاب وتمرّ الحملة الانتخابيّة بسلام، وتكرّس صناديق الاقتراع عادتها القديمة في الإعلان عن الفائز المعلوم، بصرف النّظر عن نسبة المشاركة وعن فرسان السّباق.
هكذا قرأ المحتجّون التماس الرّئيس من شعبه منحه سنة واحدة يجمع فيها أغراضه ليغادر طواعيّة، دون ضغط ولا ليّ أذرع. وهكذا أرادوا أن يقرأوها ويُصدروا حكمهم بشأنها دون استئناس بفقه الرّكاز السياسي.
وإذا كان من حقّ كلّ مواطن تفسير ما يقرأ وما يسمع بطريقته الخاصّة، ومن حقّه أن يتحفّظ على بعض أو على كلّ ما لا يروق له، ويحتجّ عليه بالطّرق السّلميّة. فإنه من واجب الجميع الحفاظ على ثلاثة مكاسب هي رأسمالنا المشترك الذي لا يليق أن نسمح لأيّ كان أن يدمّره تحت أيّ ذريعة:
ـ وحدة الوطن وأمنه الاجتماعي واستقراره وسلامة مؤسّساته.
ـ ثوابت الأمّة ومبادئها وعناصر هويتها وتماسكها.
ـ استقلاليّة قرارنا السّياسي وعدم السّماح لأيِّ جهة بالتدخّل في شؤوننا الداخليّة تحت أيّ ذريعة، وباسم أيّ عنوان كان. فما يجري في الجزائر شأنٌ داخليٌّ، والجزائريّون وحدهم هم المخوَّلون بمعالجة شؤونهم الدّاخليّة بأنفسهم، وفيما بينهم.
بعد نصف شهر من التّظاهر، لم يبقَ أحدٌ يجهل بأنّ مطالب المحتجّين مشروعة، ماداموا قد اختاروا التعبير عنها بطرق سلميّة دستوريّة. ولم يعد أحدٌ يجهل أنّ قوّة المنتفضين في سلميتهم، وفي وضوح مطلبهم، وفي قدرتهم على منع المغامرين والمقامرين من ركوب موجة الجماهير. ولكنّ الجميع يعلم أنّ “مسيرات الليل” يتمّ تدبيرُها بليل، وأنّ النار من مستصغَر الشّرر. ولا أحد يملك ضمانَ استمرار هذا الحراك سلميًّا إذا تعاظم عددُ المنتفضين، وعلا صوتهم، وارتفع سقف مطالبهم.. ولأنّ هذا الحراك الشّعبي المتنامي حريصٌ على سلميّته وبراءته من الانتماء إلى أيّ لون سياسي أو انتساب إيديولوجي، أو اختراق داخلي أو توجيه خارجي.. وكل ذلك محمودٌ وحكيم واحتياط واجب، إلا أنّ التّجربة علّمتنا أنّ الشّعور بالانتماء إلى الجماهير ينقل زمام المبادرة من أيدي أولي النُّهَى إلى أيدي المستعجلين بقطف ثمار شجرة الاحتجاج.
لست أشبّه أحدا بأحد، ولكنّ الحكمة ضالّة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحقّ الناس بها، وفي تاريخنا البعيد قال عتبة بن ربيعة لقومه: لقد خرجتم في طلب العير، وها هي القافلة قد نجت، فلماذا تصرّون على طلب النّفير؟ فرماه بعضُهم بالجبن والخوف والخور.. فقال: اعقدوها برأسي وقولوا جبُن عتبة! فلما غلب المتحمّسون على أمره ومارسوا عليه “دكتاتوريّة الجماهير” سلّمهم الزّمام وسار معهم إلى حيث قرّروا، فكان أولَ مبارز وأوّل قتيل. فكتب التاريخ قاعدة ذهبيّة: إنّ الذي تستطيع أن تأخذه بالسّلم كاملا لن تنتزعه بالحرب إلاّ معفّرا بالنّجيع. ولأنّنا شركاء في الدين والتّاريخ واللغة والوطن والمصير المشترك.. وشركاء في الآلام والآمال والمستقبل. فإنه من حقّنا أنْ نبدي رأينا في حاضر وطننا ومستقبله، ومن حقنا أن نقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت. ومن واجبنا أن نتوجّه إلى أبناء وطننا الغالي بنداء أخويّ فيه شيء من النصح وشيء ممّا يشبه الاقتراح الأقرب إلى المبادرة.
بدأت تنبو من داخل التجمّعات أصوات نشازٍ، منها من يزايد برفع السّقف، ومنها من يدعو إلى رحيل النّظام، ومنها من يحضّر قائمة بأسماء من سوف تتمّ محاسبتهم.. وكلها ترويجٌ لبيع الفراء قبل اصطياد الدّببة. لكنّ أخطرها من سمحوا لأنفسهم بتقسيم أبناء الجزائر إلى قسميْن: هذا معنا وهذا ضدّنا. وكأننا أمام حالة اصطفاف عقَدي قائمة على مفهوم متعسّف لعقيدة الولاء والبراء. أو هي ثقافة دخيلة من مغذّيات الحقد الذي لا يقبل أصحابُه بأقلّ من النّظريّة الصّفريّة على أصحاب المخالِف للشّعار المرفوع حتّى الآن: “خاوة.. خاوة”، أيْ كلنا إخوة من أبناء وطن واحد. وتصنيف المواطنين جبهتيْن بشعار: من ليس معنا فهو ضدّنا، يهيِّئ الأجواء إلى ما بعد الانفراج القريب، بإذن الله تعالى، فدوام الحال من المحال، ولكنّ جراح الكلام لا تندمل بسهولة، والحمد لله أنّ ما حدث في الجزائر اليوم قد حقّق أربعة أهداف مشتركة:
ـ متّن اللُّحمة بين المواطنين، ورسّخ معنى الوحدة الوطنيّة.
ـ أعاد بناء ثقافة السّلم والمصالحة وبرهن أنّنا أمّة متحضّرة.
ـ بسط الرّقابة الشّعبيّة على التّصريحات السّائبة، ووضع كل فرد أمام مسئولياته.
ـ نقل الشّعب من حالة الاستقالة إلى وضع الاستقامة.
وبعد أن أفرغ كل فصيل ما بجعبته من خطاب، وظهر للرّأي العام المستوى الضّحل الذي عليه كثيرٌ من المسئُولين الذين كانوا مستورين تحت صمتهم، فلما نطقوا فضحتهم ألسنتُهم، فقد آن الأوان لإعادة ترتيب أولوياتنا الوطنيّة بمدّ البصر إلى المستقبل، وعدم الارتهان لضغط اللحظة، فقد جرّبنا واستخلصنا الدّروس ولن نرسب في أيّ اختبار له صلة بالمصلحة العليا للوطن، التي تجعل أولوياتها العليا ثلاثا:
ـ الوحدة الوطنيّة: فلا شيء يعلو فوق الوطن، وإذا اقتضى الأمر أن تتوقّف المشاريع كلها من أجل حماية وطننا، وجب أن نذكّر الجميع: بأنّ الوطن كان قبل أن تكونوا. وكنتم بالوطن كلّ شيء. وسوف تزولون ويبقى الوطن.
ـ الأمن والاستقرار: الجزائريون أصحاب تجربة مرعبة؛ فمن عرف شقاوة الخوف ومهالك الرّعب ودسائس الليل والسّهام الطائشة والنّيران الصّديقة والدّماء المتدفّقة ظلما.. يدرك أنّ الشّعب الذي سدّد فاتورة أخطاء الأجنحة المتصارعة بين 1988ـ 2009، لا يقبل أبدا أن يدخل في مغامرة جديدة تكون ثمارها حصاد الغرور والاستعراض الدانكيشوتي.
ـ الإرادة الشعبيّة: التي جعلتها دساتيرُ الأرض كلّها مصدر السّلطات، تُنصِّب وتعزل، وتعيد البناء على أسس “عقد اجتماعي” يرفض الفوضى، ويمنع الاغتصاب وسفك الدّماء.. فباسم الشّعب تصدُر الأحكام، وبفضله تقوم الأنظمة وتسقط ويمضي حاكمٌ ويخلفه آخر، وتتغيّر سياسة بما هو أقوم منها وتظهر حكومة وتختفي أخرى.. لكنّ الدّولة باقيّة والأوطان دونها قطع الأعناق.
الرأي الغالب في تصريحات الفاعلين السياسيين والناشطين والمدوّنين هو التأجيل، إذا لم يبقَ من منفذ سواه. قبل أن يصبح الذهاب إلى الانتخابات مشروطا بضمانات تقدّمها الجهة التي قالت: إنّ الشّعب الذي أفشل الإرهاب مطالَبٌ اليوم بمعرفة كيفيّة التعامل مع ظروف وطنه، بعدم التّفريط في نعمة الأمن. وهي فكرة قابلة للتطبيق، إذا وفّرنا لها شروط الثّقة والمصداقيّة والإرادة السياسيّة العازمة على ميلاد الجزائر الجديدة أو الجمهوريّة الثانيّة.. وتغيير النظام القائم بنظام قادم. وما يسبقه وما يلحقه من شروط موضوعيّة كانت مطلب المعارضة منذ عام 2011. فمن أجل الوطن اعصبوا كل شيء برأسي وقولوا ما شئتم، فالتاريخ شاهد والأيام بيننا.
* بعد نصف شهر من التّظاهر، لم يبقَ أحدٌ يجهل بأنّ مطالب المحتجّين مشروعة، ماداموا قد اختاروا التعبير عنها بطرق سلميّة دستوريّة. ولم يعد أحدٌ يجهل أنّ قوّة المنتفضين في سلميتهم، وفي وضوح مطلبهم، وفي قدرتهم على منع المغامرين والمقامرين من ركوب موجة الجماهير.

مقالات ذات صلة