الشروق العربي

الأب الحاضن.. تضحيات وتحديات في غياب الأم

نسيبة علال
  • 133
  • 0

يصبح الرجل العربي مسؤولا عن أسرته، وقد كبر على فكرة أن تربية الأبناء ورعايتهم مهمة الزوجة، فلا يشرك فيها إلا نادرا، ولا يعرف عن تفاصيلها الكثير، حتى يجد نفسه بحكم القدر أبا حاضنا، يعوض دور أم متوفاة، أو مطلقة أو مسجونة، أو حتى مهاجرة للعمل أو العلاج.. دور لم يهيأ له ثقافيا، فيعيشه قسرا بين ضغط كونه معيلا وكونه مربيا في الآن ذاته.

ارتفع عدد الأسر التي يشكل فيها الأب الحاضن الرئيسي في غياب الأم، منذ التسعينيات الماضية. تشير أبحاث اجتماعية في هذا الشق، إلى أن تغير ظروف الحياة، بما في ذلك تحرر المرأة أكثر، وقدرتها على الهجرة بمفردها والعمل بعيدا، وزيادة نسب الطلاق والخلع.. ساهم في تشكل الظاهرة، وألقى على عاتق الأب مسؤولية تربية ورعاية أبنائه حتى وإن كان المجتمع لا يزال ينظر إلى الأمر على أنه طاقة أنوثة ومس بالرجولة، ويعاب على الوالد فعل ذلك، دون أن يستنجد بزواج ثان.

سلاف، 43 سنة، إطار في مجال الطاقة، تعمل بالجنوب الجزائري، شهرا كاملا مقابل عودتها للعاصمة لشهر آخر، تقول: “قضيت تسع سنوات على هذا النحو، بينما يتحمل زوجي تربية طفلين، يقسم وقته بين عمله في البرمجيات وبين رعايتهما، ولا يقصر أبدا في تعويض دوري، فالأبناء متخلقون متفوقون بشهادة الجميع..” تضيف سلاف: “ما يزعجني ليس نمط حياتنا كأسرة، فالتنظيم وتقاسم الأدوار يجعلنا في تفاهم تام داخليا، غير أن ضغط المجتمع بما في ذلك الأقارب، والتضييق علينا بعبارات اتركي العمل”، “عائلتك أهم..”، “ستعودين يوما لتجدي امرأة أخرى محلك..”، بينما يتحمل زوجي أيضا اتهامات في رجولته وشهامته، لأنه كسر النموذج التقليدي للرجل الجزائري”.

استنزاف نفسي وسط ضغط اجتماعي

تختلف تحديات الأب الحاضن، فهي لا تقتصر على كونها جهادا يوميا، للموازنة بين دور الأب خارج البيت ودور الأم داخله، وإنما هناك جانب نفسي ثقيل يجابهه هذا الرجل يوميا، إذ عليه أن يشرح ويقنع ويجد أعذارا لغياب الأم، بالإجابة عن أسئلة متكررة: “أين أمي، ولمَ نحن أسرة ناقصة ومختلفة..”، في حين، عليه أن يمسح دموع المراهقين في أثناء سلسلة مشاكلهم التي لا تنتهي، وأن يحتوي بكاء الأصغر سنا أيضا، دون أن يحق له البحث عن طرف يحتويه، حتى وإن كان خبيرا نفسيا، خوفا من الوصم الاجتماعي الذي سيلاحق رجلا لا يتمتع بصلابة الآخرين.

ضريبة الوفاء.. أزواج يجابهون أدوار الحياة

بين الوفاء لحب جمعهم بزوجاتهم، ورغبة في أن يحافظوا على مشاعر أبنائهم ومحاولة خلق جو أسري مستقر، بعد صدمة الانفصال عن الأم لأي سبب كان، يرفض بعض الآباء إقحام زواج ثان، أو تسليم الحضانة للأقارب، وخلق سبب آخر للتوتر، خاصة مع ترسخ صورة نمطية سلبية عن زوجة الأب في مجتمعاتنا، والتمييز و”الحقرة” عندما يتربى الأبناء في غير أسرهم، ولكل ذلك ثمن يدفعه الأب الحاضن، من طموحه المهني، وحريته الشخصية، واستقراره النفسي والعاطفي.. مع هذا، قد يجد بعض الآباء أنهم لم يوفقوا في تحمل دور الأم، برغم كل التضحيات الجسام التي يبذلونها، ذلك أن حضورهم في تربية الأبناء ظل نسبيا ومحدودا جدا، في وجود الأم سابقا.

إدير، عامل التوصيل الذي اختار هذه المهنة لما تمنحه له من حرية لرعاية ابنته ذات ثلاث سنوات، بعد أن توفيت زوجته في حادث مرور: “اكتشفت أن ابنتي تعاني حساسية من البيض والفراولة، لم أكن أعلم عنها، تعلمت تغيير الحفاظات منذ سنة، وتدربت على شراء حذاء بمقاسها المتغير، وحفظت أغاني النوم.. المهمة ليست سهلة، ولا ممتعة، لكنها أثارت بداخلي حصنا إنسانيا قويا لا يأبه لانتقادات المجتمع، ولا لدعوتهم للزواج من أجل ابنتي..”

مقالات ذات صلة