الجزائر
"الشروق" تكشف فاجعة عائلة ستة من أبنائها فاقدون للبصر:

الأب: ليتني كنت مثل النبي يعقوب.. أنا الأعمى وأولادي يبصرون

الشروق أونلاين
  • 23517
  • 69
مكتب الشروق
التوأم الحسن والحسين رفقة أحد الأساتذة

أن يعطيك الله ابنا فاقدا للبصر فتلك مصيبة وابتلاء شديدين، أما أن يعطيك سبعة وينقل واحدة منهم إلى جواره ويبقى الستة يحومون من حولك في مملكة الظلام لا يبصرون فتلك المصيبة التي حاولنا أن نجد لها تعبيرا بحجمها فعجزنا، ولكم أن تتخيلوا ولا تعلقوا، أب في الواحدة والسبعين من العمر تزوج من ابنة عمه، فرُزق بأحد عشرة ولدا وبنتا كان من بينهم سبعة، أراد الله أن يحرمهم من البصر وليس من البصيرة، ولكم أن تتصوروا أيضا صعوبة القيام بروبورتاج في مملكة الظلام حيث يصلح لكل فرد من هؤلاء روبورتاجا قائما بذاته وهو يروي لك مصاعبه بفقدانه البصر مع البلاد والعباد فاقدي البصيرة، أما عن الأب الذي قال إنه يحس بأنه فاقد للإرادة وعاجز لأن يقدم لأبنائه أي شيء، فلو كان الأمر يتعلق بطفل واحد فاقد للبصر لهان، أما أن يكونوا بهذا العدد فذاك ما جعلني أشبه بالأعمى وأنا البصير.. وأجهش بالبكاء حتى اسودت عيناه من الحزن فهو كظيم.

زواج الأقارب مرة أخرى

عندما قرر عمي محمد الصالح فروج الزواج عام 1965 وكان عمره في الرابعة والعشرين، اختار له والده ابنة عمه، وكان حلمه -كما قال- أن يزيّن العائلة بالبنين بالخصوص وبالبنات أيضا، ولم يكن يعلم أن زواجه من ابنة عمه سيتحوّل إلى مأساة، ولم يكن يعرف مخاطر زواج الأقارب، ففي منطقة الأوراس من الصعب أن تجد طبيبا واحدا في بداية الاستقلال، فما بالك ان تجد النصيحة الطبية التي تقيك جيلا من الأطفال المعوقين، قال عمي محمد الصالح للشروق اليومي:

عندما أعطاني الله أول أبنائي، وهو جمال المولود عام 1966، معوّقا بصريا كان أملي في شفائه كبير، خاصة أن شقيقته الثانية كانت سليمة البصر، ولكن الابنة الثالثة ولدت أيضا معوقة، ثم يجهش بالبكاء ويقول إن المرض الخبيث خطفها منه وعمرها لم يتعد الثامنة والعشرين، إذ ماتت في مستشفى باتنة، ويكمل سرد أسماء أبنائه حيث لم يبق الآن بين يديه سوى عشرة، ستة منهم معوقون بصريا، رفضوا أن نصورهم ورفضوا الحديث مع الصحافة باستثناء التوأم الحسن والحسين، وقال أحدهم .. “اللي فينا يكفينا، لا نريد أن نكون موضوعا.. نريد حلولا”، رد جعل الوالد الحزين على الدوام يقول “لا أفهم منحة المعوق التي لا تتعدى 3000 دج، تصوّر بعض أبنائي يدرسون في مركز المكفوفين في بسكرة، ولك ان تتصور مصاريف النقل لتتأكد أن الدراسة عندنا فعلا ليست مجانية، لأن ما بين باتنة حيث تقطن عائلة الظلام الدامس في الحي الشعبي بوعقال 3 وبين بسكرة مسافة كل كيلومتر منها بحساب مالي، الأبناء ولدوا جميعا فاقدي البصر، ووكّل الأب محمد الصالح أمره لله بعد أن أقنعه الأطباء في باتنة وفي الجزائر العاصمة بأن حالة ابنائه ميؤوس منها، كان حلمه الذكور فأعطاء الله تسعة بالتمام والكمال ما زالوا جميعا على قيد الحياة، بينما رحلت عن الدنيا ابنة وبقيت أخرى سليمة تكابد مع أشقائها الحياة المعقدة معنويا وماديا وخاصة صحيا.

ورغم أن السيد محمد الصالح جاوز سنه الواحد والسبعين خريفا إلا أنه ما زال يعيل أبناءه حيث يشتغل في الخياطة، وكان قد امتهن العمل في المؤسسات ولكن غلقها في عام 1997 رماه إلى البطالة، وكل واحد من أبنائه يتسلم 3000 دج شهريا لا تكفيه في أكله ولباسه.. كما قال عمي محمد الصالح والحزن يكاد يفقده بصره، ليس على ابنه وإنما على كل أبنائه.. يتنهد ويقول باكيا: “سيدنا يعقوب فقد بصره حزنا على ابنه يوسف عليهما السلام، يا ليتني كنت أنا فاقد البصر وكان أبنائي هم الأصحاء.

“لا اريد سكنا فأنا أعيش في مسكن آبائي، ولا أريد مساعدة طبية فأطباؤنا الأكفاء أجمعوا على أن إعادة بصر أبنائي مستحيل، ولا أريد مالا لشخصي فأنا وزوجتي هرمنا منذ عام 1966 عندما رزقنا الله بأول مواليدنا كفيف البصر، ولكني أريد التكفل بأبنائي، ومساعدتهم، كلهم يريدون الكرامة، يريدون العيش في عزة، لا يريدون التسول، فقد بلغ غالبيتهم المستوى الثانوي وواصلوا الدراسة في مختلف المراكز، ورغم أن كبيرهم يبلغ من العمر 46 سنة إلا أن أبواب العمل مغلقة لحد الآن في وجهه.

“أحيانا ألتفت إلى زوجتي المسنة واليائسة من الحياة وأقول لها: ماذا لو يرزقنا الله بحجّة، أو سفرية لأداء مناسك العمرة فربما دعوة بجوار المصطفى تعيد لنا شبابنا الذي انطفأ في الستينيات وتعيد لأبنائنا حب الحياة؟”

تركنا عمي محمد حاملا هموم الدنيا على رأسه، ذرف دمعة أخرى وطأطأ رأسه، وشغّل مرة أخرى ماكنة الخياطة وقال إنه لن يفرط في خياطة القشابيات إلى أن يتفكره الله، رغم أننا على أبواب الصيف.


التوأم الكفيف الحسن والحسين: رزقا البصيرة بعد أن ضاع البصر

أجمل ما سمعناه في قصة عائلة الظلام المكونة أيضا من توأم كفيف اختار لهما عمي محمد الصالح اسمي حفيدي المصطفى “الحسن والحسين” هو ما قاله الحسن بأنه ينظر إلى الدنيا بشقيقه الحسن، وقال الحسين إنه ينظر للدنيا بشقيقه الحسن، ثقة بالنفس، طموحات لا حدود لها، نشاط واضح للعيان، وخفّة دم.. هي صفات اجتمعت في الأخوين التوأم الحسن والحسين واللذين يُخيل لمن يراهما للوهلة الأولى بأنهما مبصران و في كامل صحتهما، صفات قد تغيب حتى عن أترابهما من الأصحاء، وهما في العشرين من العمر وسيجتازان شهادة البكالوريا الموسم القادم.

أهم ما يثير الفضول في حالة هذين الأخوين أنهما يعيشان مع إخوة أيضا فاقدين للبصر، ومعظمهم في بطالة وشلل عن العمل، فعبد الملك البالغ من العمر 26 سنة يتقاضى حاليا منحة تشغيل الشباب، وهو رغم إعاقة البصر وبعد عجزه عن الحصول على شهادة البكالوريا، واصل تربصا في تقنيات الهاتف، ولكنه لم يشفع له بالحصول على منصب عمل، أما فيصل البالغ من العمر 28 سنة، فهو حاليا مدرّس للغة العربية في مسجد الحي بمعدل يوم في الأسبوع، ويمكنكم تصوّر مرتبه الزهيد، وتبدو مأساة نبيل أكثر تعقيدا لأنه بطال ومعظم وقته يقضيه في البيت، نبيل البالغ من العمر 30 سنة متزوج ومن دون أطفال، أما جمال وهو أكبرهم سنا حيث قارب سنه السادسة والأربعين فقد رزقه الله بابنتين وجميع هؤلاء الأبناء مصابون بإعاقة بصرية زادت من ألم التوأم الحسن والحسين.


أساتذة التوأم الحسن والحسين يصرخون:

“ساعدونا لمساعدة التوأم المتفوق”

توجهنا إلى ثانوية عباس الغرور بباتنة والتي يدرس بها حاليا هذان الأخوين التوأم في السنة الثانية ثانوي، أول ما لاحظناه هو تلك الشعبية التي يتمتعان بها داخل هاته المؤسسة التربوية والمعاملة الخاصة والمميزة سواء من طرف الإداريين أو من طرف أساتذتهما أو من زملائهما. فقد تحدث زميلهما “سفيان” وأكد بأنه، ومنذ تعرف على هذين الأخوين، لم يحس يوما بأنهما كفيفان وقد أصبحا بالنسبة إليه بمثابة أخويه قبل أن يكونا زميلين له.

أما عن أساتذتهما، فقد تحدثوا بكثير من الاعتزاز والفخر كونهم يساهمون ويشاركون في تعليم وتكوين تلميذين مميزين، حتى ولو كان ذلك في أحيان كثيرة بمجهوداتهم الفردية فقط لكون مثل هاته الحالات تتطلب الكثير من الإمكانات الخاصة والتي لا تتوفر بهاته المؤسسة التربوية ولا في غيرها في الجزائر، وقال إن التوأم يتسابق في التفوق عبر طاقة كبيرة لاحظوها لدى هذين الأخوين، وقد حاولوا قدر ما استطاعوا تمكينهما من تفجير تلك الطاقة حيث شارك الحسن والحسين في العديد من النشاطات والمسابقات وحققا فيها جميعا شهادات وجوائز عديدة، سواء في الرياضة أو في النشاطات الفكرية، فقد فازا مرتين متتاليتين بمراطون الزيبان، والمرتبة الأولى في مسابقة لرمي الجلة، وحقق الحسين المرتبة الأولى كذلك في مسابقة في مادة التاريخ، وذلك على المستوى المحلي والجهوي، وهو حاليا في انتظار نتيجته على المستوى الوطني، والطريف في هاته المسابقة هو أن الحسن هو من احتل المرتبة الثانية وبفارق نصف نقطة فقط.

ومن الهوايات التي يمارسانها تلك الخاصة بصنع إطارات الصور بقطع من الزجاج الملون، واللافت للانتباه لديهما هي تلك العلاقة الخاصة التي تربطهما بأستاذة مادة التربية الفنية والفنون التشكيلية بالثانوية السيدة “نوارة خدومي” والتي يعتبرانها والدة ثانية لهما قبل أن تكون معلمتهما، حيث تتولى هاته الأستاذة تدريسهما فنون الرسم والتعبير بالفرشاة والأقلام الملونة بطريقة جديدة تتمثل في الوصف النظري للموضوع المراد رسمه فقط ليقوما بالعمل، ولا تنسوا بلا بصر؟ بمفردهما وعلى أكمل وجه وأحسن صورة، وذلك بناء على ما يسمعانه من شرح مستفيض من طرف أستاذتهما، وقد طالبت السيدة “خدومي” بضرورة توفير العديد من المعدات الحديثة التي تساعدها وبقية الأساتذة في توصيل الحسن والحسين وأمثالهما إلى أفضل المراتب والمراكز، خاصة أنهما حصلا على شهادات اعتراف من كندا، فلا يعقل مثلا في نظرها أن يتبادلا جهاز التسجيل الصوتي الواجب توفره لهما لمتابعة الدروس فيما بينهما مع العلم بمحدودية سعته، ومع العلم أنهما لا يدرسان في نفس القسم.

وقد قال التوأم إنهما يأملان في أن يتوفر لديهما ما بات يُعرف بالقلم الناطق أو جهاز كمبيوتر ناطق، وهو حلم مشروع في رأيهما، وقد أصبح من حقهما الحصول على مثل هاته التكنولوجيات الحديثة.

ومن الأشياء التي لفتت انتباهنا هي تلك الأحلام والطموحات الكبيرة التي أخبرنا بها هذان الأخوان حيث تحدث الحسين عن رغبته في أن يكون يوما ما صحفيا تلفزيونيا، أما عن الحسن فقد تعدى طموحه أخاه بكثير، فقد قال بأنه يتمنى أن يكون يوما ما وزيرا ولما لا رئيسا للجمهورية، فهو في رأيه لا يوجد مستحيل مع وجود إرادة قوية لتحقيق ذلك..

فعلا إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

مقالات ذات صلة