الشروق تتجول في البلديات الفقيرة والغنية بالعاصمة
الأثرياء: الأسعار أخرجتنا من دائرة الغنى ونحن كلنا في الهم جزائريون
تحجج العشرات ممن التقتهم “الشروق اليومي” ببلدية حيدرة بالغياب عن مكاتب الاقتراع بالأوضاع الاجتماعية التي يعيشونها منذ سنوات، على الرغم من أن حيدرة من بين أكبر البلديات الثرية والغنية في الجزائر، والتي تضم مراكز القنصليات والسفارات وكذا مراكز الأعمال وغيرها من الأسر الثرية.
-
-
أين أجابتنا جموع من الشباب الذين التقينا بهم بالحديقة العمومية بحيدرة أن البعض منهم بلغ أربعين سنة ولايزال يسكن رفقة والديه ولم يتمكنوا من الزواج، لأنهم ببساطة لم يحصلوا على عمل أبدا.
-
-
وذكر آخر ممن كان منشغلا بلعب “الدومينو” أن العاصميين عامة لا يصوتون في أي موعد انتخابي وأن المتعودين على التصويت والمتشوّقين له هم أبناء الجزائر العميقة.
-
وبينما تفادى أحدهم الحديث إلينا معلقا أننا نزعجه بهذه الأسئلة، قال لنا رفيقه، عليكم أن تتطلعوا على ما تخفيه البيوت عند موعد الغداء، أين تتناول أسر خبزا بـ”القرنطيطة”، تعبيرا منه على محدودية دخل الأسر ومعاناتها في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
-
مجموعة من الشيوخ الذين كانوا مستأنسين بالحديث عن ذكريات الصبا وبعض المغامرات في الحياة، رحبوا بانضمامنا إليهم، وضحكوا من سؤالنا المتعلق بالمشاركة في الانتخابات والذهاب إلى صناديق الاقتراع، حيث أجابنا أحدهم ممن قدم مؤخرا من فرنسا أن الدور الآن للشباب ليختاروا الرئيس الذي يقود البلاد، ولم لا يكون منهم من يتولى شؤون هذه البلاد، نحن عشنا زماننا وأتيحت لنا الفرص، فما هو قادم الآن من نصيب الشباب وحدهم، لهم أن يقرروا مكاننا.
-
في حين تأسف آخر من البطالة التي يعاني منها الشباب، خاصة خريجي الجامعات منهم، حيث أنهم يبيعون الكاوكاو ومختلف أنواع التبغ بدلا من أن يحتلوا المناصب التي أهّلتهم لها الشهادات الجامعية التي يحملونها.
-
-
“…نحن نعمل اليوم استثناء حتى الثانية زوالا”، هي إجابة عامل نظافة تابع لمؤسسة “نات كوم” الخاصة، ذكر لنا أنه هو وبقية زملائه كلّفوا بتنظيف كل الشوارع التي اعتادوا تنظيفها اليوم، وألا يبرحوا العمل إلا عند الثانية بعد الزوال، مما جعله يشك في التوجه إلى مكتب الاقتراع للإدلاء بصوته.
-
وقد بدت شوارع حيدرة نظيفة نقية في يوم ممزوج بين الأمطار والصحو بفضل ما يقوم به أولئك العمال الذين بدأوا عملهم منذ السابعة صباحا دون توقف إلى غاية الساعات الأولى من المساء.
-
-
تاجر من تجار الخضر ببلدية الكاليتوس، إحدى البلديات الفقيرة بالعاصمة، تحجج عن عدم ذهابه إلى مكاتب التصويت بعدم امتلاكه لبطاقة الناخب التي أضاعها منذ أن طرده الإرهاب من منزله في سنوات الجمر والتي من حينها لم يجدد البطاقة الخاصة، ففضل البقاء إلى جانب طاولته المليئة بالخضر والتي تدر عليه أموالا بعد الارتفاع الجنوني الذي عرفته الأسعار مؤخرا لهذه المواد.
-
وغير بعيد عنه، يجلس كهل يبيع باقات البقدونس، أخبرنا أنه لن يتحرك من مجلسه إلا بعد أن يبيعها جميعا، ثم إن بقي له وقت سيتوجه إلى المكتب الانتخابي، ولما سألناه إذا كانت زوجته أو أولاده سينتخبون، فأخبرننا أنه لم يتمكن من الزواج إلى يومنا هذا على الرغم من أن علامات الكهولة بدت واضحة على وجهه وشعره الذي يتأهب للإشتعال شيبا.
-
أما شباب شراربة، قالوا لنا إن منظرنا ووضعنا يكشف لكم إن كنا انتخبنا أم لا، وهو أيضا ما سيبرّر لكم سبب تخلفنا عن هذا الموعد، فالطريق الرئيسي للبلدية لم يعرف التهيئة مطلقا ووجدنا صعوبة بالغة في اجتيازه، خاصة بعد ما سقطت بعض قطرات من الأمطار فصار التنقل مستحيلا بين أطرافه، وفاجأنا طفل لا يتجاوز من العمر سبع سنوات بقوله “فليعبدوا الطريق، ثم يتكلموا عن الانتخابات..”!
-
إحداهن في مكتب من مكاتب ذات البلدية أخبرتنا أنها المرة الأولى التي تدخل فيها مكتبا من مكاتب التصويت، وقالت إنها اختارت مرشحها، لأنها استفادت مؤخرا من السكن، لذا رأت أن ترد الجميل للوطن بالانتخاب، وقالت في ردّها عن أسماء المترشحين أنها لا تعرف منهم إلا المترشح عبد العزيز بوتفليقة ولويزة حنون!
-
شاب من هناك أيضا سينتخب لأول مرة في تاريخه، قال لنا أنه سيذهب إلى مكتب الانتخاب في الفترة المسائية، ولم يكن يبدو عليه التحمس لممارسة هذا الحق الديمقراطي وهو يجلس منحني الظهر، يضع يداه في جيبه ويتحدث إلى أحد الشيوخ عن هموم خاصة.
-
وذكر لنا شاب ممن يعتمدون في قوت يومهم على المداخيل اليومية أنه لا يجد تحفيزا معنويا ولا ماديا يدفعه للذهاب إلى أي مكتب من المكاتب الانتخابية، مضيفا أنه يختلف مع والديه في هذا الشأن اللذان لازالا يقصدان المكاتب الانتخابية، مبررا تصرفهم بضمانهم مدخولا شهريا يتمثل في المنحة.
-
الجزائريون في العاصمة قالوا تقريبا نفس الكلمات واشتكوا نفس الهموم في البلديات الفقيرة منها والغنية، نتيجتهم في الانتخاب كانت محسومة بموقف توحّد بسمات الوجه قبل الكلمات إلى درجة أننا أحسسنا بأنه غير مرغوب بنا لدى الكثيرين منهم، لأننا نسألهم عن جرح، الكل يعرف دواءه على حد تعبيرهم، ورغم ذلك كانوا للصندوق أوفياء، انساقوا إليه استجابة لدستور الدولة الجزائرية في 1989، دون أن يناقشوا ما تغيّر منه.