الأحياء السكنية الجديدة.. القصدير ينبعث من جديد!
“نفايات مكدسة.. سوق فوضوي وسط الحي.. هياكل سيارات، وشبه محلات لبيع الألواح والخردة.. جدار مشوه بكتابات حائطية خادشة للحياء”.. هذه الأوصاف ليست لحي فوضوي أو سوق بلدي، بل هي لحي سكني “جديد” احتضن مؤخرا عملية إعادة الإسكان التي باشرتها مصالح ولاية الجزائر، حيث لم يمر على تعميره سوى سنة واحدة، فمن المسؤول عن ذلك؟ هل هو غياب الرادع القانوني أم لامبالاة المواطنين؟
باشرت مصالح ولاية الجزائر سنة 2014، عمليات إعادة الإسكان في إطار القضاء على البؤر التي كانت تشوه عاصمة البلاد، حيث كانت الأحياء السكنية التي تم الترحيل إليها في أبهى حلة بالرغم من بعض النقائص التي تداركتها الولاية فيما بعد، حيث كانت هذه الأحياء تتوفر على مساحات خضراء وسط العمارات، ومرافق ضرورية، على غرار أماكن للعب وأرجوحات موزعة هنا وهناك وكراسي للاستجمام وسط الشجيرات والنباتات، فضلا عن الطرقات المزفتة والتهيئة الكاملة للأرصفة، غير أن هذا المشهد لم يستمر طويلا، حيث تحولت الأحياء السكنية الجديدة إلى “خراب” حقيقي نزع منها ثوب “الجمالية”، ما يجعلك تتحسر على أحياء كانت بالأمس القريب “أحياء نموذجية”.
“الشروق” زارت الأحياء السكنية الجديدة أو بالأحرى الأحياء التي كانت “جديدة”، التي حولها قاطنوها بتصرفاتهم إلى “أحياء فوضوية”، على غرار حي “سيدي حماد 1 و2” بالأربعاء بولاية البليدة، بالإضافة إلى حي 3216 مسكن بالشعايبية والسبالة وخرايسية وسيدي أمحمد بأولاد منديل وبابا علي.. فالمتجول بين العمارات يكتشف حجم الخراب الذي طالها في ظل لامبالاة ساكنيها، حيث إن ثقافة الحفاظ على المحيط الموجودة في الغرب تكاد تنعدم في الأحياء السكنية إلى درجة أن “بلاط” الأرضيات نزع.
“أكواخ للسكن وأخرى لبيع الألواح والخردة” بسيدي حماد
كانت وجهتنا الأولى حي سيدي حماد بالأربعاء، أين اكتشفنا حجم الخراب والفوضى، حيث تحول مدخل الحي إلى مفرغة عمومية على طول الطريق، بالإضافة إلى لجوء بعض السكان إلى فرش “الخبز اليابس” على قارعة الطريق، فضلا عن ستائر الشرفات المختلفة الرثة، وسيلان الماء من النوافذ والهوائيات المقعرة التي كان والي العاصمة قد منع من نصبها على الشرفات، ما يعكس غياب الانسجام واختلاف العقليات والمستويات بين السكان. فوضع الحي ينقلك إلى الأحياء القصديرية والفوضوية التي كانوا يقطنون فيها، وعند دخولك الحي تتفاجأ بسوق شعبي بامتياز. فبعض شباب الحي نصبوا طاولات فوضوية هنا وهناك، والبعض الآخر افترش الأرض لعرض سلعته لبيع بعض “الخردة”، بالإضافة إلى الخضر والفواكه، في حين حول آخرون مقصون من عملية إعادة الإسكان مساحة لبناء بيت قصديري يؤويهم ومساحة أخرى تم تحويلها إلى بيع الألواح بالجملة!!!
تعمقنا في الحي أكثر لنكتشف مساحة خضراء، حولها أحد الشباب إلى مقهى على الهواء الطلق، حيث قام بتنصيب الطاولات والكراسي، بطريقة أقل ما يقال عنها فوضوية بعيدا عن الحس الحضري حيث تتوسط العمارات بشكل يقضي على حرمة القاطنين بالموقع خاصة منهم النسوة اللواتي يجدن صعوبة في الخروج من منازلهن.. وغير بعيد عن المقهى شد انتباهنا مشهد “خردوات” لبقايا سيارات تعرض على قارعة الطريق من أجل الزبائن لإعادة بيعها في جو يتخلله حضور مكثف لزبائن “خردة السيارات”، الذين يأتون من كل حدب وصوب لاقتناء ما يلزمهم. والدليل على ذلك ترقيم السيارات الموجودة هناك.
حاولنا التقرب من بعض السكان الذين كان رأيهم أن غياب الرقابة أثر كثيرا على الحي وحوله إلى ما هو عليه، فضلا عن غياب ثقافة الحفاظ على المحيط، حيث أكد أحدهم: “مللنا الجري وراء الكبار والصغار للحفاظ على الحي، فكان يجب عليهم تنصيب لجنة للمحافظة على الحي وردع المتسببين في الخراب”.
“الشعايبية” بأولاد شبل.. من سيئ إلى أسوأ
انتقلنا إلى حي 3216 مسكن بشعايبية بأولاد شبل بالعاصمة، الذي يعتبر من أول الأحياء التي تم الترحيل إليها. ويعتبر من الأحياء النموذجية التي تتوفر على كافة المرافق، فقبل شهرين من اليوم كانت “الشروق” قد زارت الحي لنتفاجأ اليوم أنه ازداد “خرابا” ،فالكراسي التي تم نصبها لتمكين العائلات من قضاء أوقات من الراحة لم نجد لها أثرا.. حتى الشجيرات لم تسلم من “اعتداء” البعض، كما أن الحي يعكس جوا من الفوضى. وفي هذا الإطار قال أحد المواطنين: “بعض العائلات تعودت الخراب وعودت أبناءها التشرد وزرعت فيهم اللامبالاة تجاه الحي الذي يقطنون فيه”.
وعن الحلول، أكد أنه على الدولة ردعهم من خلال دفع مبلغ مالي على العائلات المقيمة في الحي في حالة تسبب أحد الأفراد في “الخراب”.
كما وجد بعض الباعة الفوضويين خاصة تجار الخضر والفواكه وكذا الأفرشة ضالتهم في الحي، حيث حولوا المساحات إلى أسواق فوضوية مخلفين بعد ذلك بقايا الكرتون والأكياس البلاستيكية، التي أساءت إلى المنظر العام. في حين حول بعضهم مناطق إلى مناطق للعب “البيار”، فضلا عن كتابات حائطية خادشة للحياء.
واقع حي سيدي حماد والشعايبية اللذين اتخذناهما كمثالين هو واقع جل الأحياء السكنية الجديدة، فغياب الرادع أثر على واقع الأحياء.
بدورنا حاولنا الاتصال بوالي العاصمة عبد القادر زوخ، لمعرفة رده وكذا لمعرفة الحلول التي سيقدمها للأحياء السكنية الجديدة التي حولها ساكنوها الجدد إلى خراب ودمار، ولكن تعذر علينا ذلك بسبب عدم رده على اتصالاتنا.
