العالم
فضحت خطة الرباط من وراء التطبيع مع "إسرائيل"

“الأزمات الدولية” تحذر واشنطن من تجاوز البوليساريو وفرض الحكم الذاتي

عبد السلام سكية
  • 550
  • 0

حذرت مجموعة الأزمات الدولية من أن محاولات الولايات المتحدة فرض مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسًا وحيدًا لتسوية النزاع في الصحراء الغربية، أو تجاوز جبهة البوليساريو والبحث عن أطراف صحراوية بديلة، قد تؤدي إلى تعميق الأزمة وتقويض فرص التوصل إلى حل سياسي مستدام، مؤكدة أن تسوية النزاع الذي تجاوز خمسة عقود تتطلب الحفاظ على إطار تفاوضي مفتوح واحترام تعقيداته السياسية، بدلًا من ممارسة ضغوط تستهدف انتزاع تنازلات سريعة.

وأوضح تقرير المجموعة، الصادر في 9 أكتوبر 2026، بعنوان «الولايات المتحدة والأمم المتحدة ستحتاجان إلى مزيد من الصبر لحل نزاع الصحراء الغربية»، أن المحادثات التي جمعت المغرب وجبهة البوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا، وصلت إلى طريق مسدود بعدما حاول الوسطاء الأمريكيون والأمميون الانتقال سريعًا من المناقشات الاستكشافية إلى مفاوضات تتمحور حول المقترح المغربي، وهو ما اصطدم برفض الجبهة التخلي عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

وقال معد التقرير، ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال إفريقيا بمجموعة الأزمات الدولية، إن الولايات المتحدة والأمم المتحدة مطالبتان بإبطاء وتيرة تحركاتهما والتحلي بمزيد من الصبر إذا أرادتا التوصل إلى تسوية توافقية، محذرًا من أن الإصرار على فرض حل سريع قد يعمق انعدام الثقة الذي أعاق المفاوضات طوال سنوات.

البوليساريو ترفض فرض الحكم الذاتي أساسًا وحيدًا للتفاوض

وأبرز التقرير أن استئناف المحادثات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، خلال ثلاث جولات احتضنتها واشنطن ومدريد بين جانفي وفيفري 2026، استند إلى صيغة أتاحت للأطراف بحث إمكانات التسوية دون مطالبة أي منها بالتخلي مسبقًا عن مواقفه بشأن السيادة والحكم الذاتي وتقرير المصير.

وأوضح أن هذا الإطار التفاوضي بدأ يتعرض للاهتزاز بعدما كررت الولايات المتحدة والأمم المتحدة مطالبة البوليساريو بتقديم ملاحظاتها بشأن خطة الحكم الذاتي المغربية الموسعة، تمهيدًا للانتقال إلى مفاوضات أكثر تفصيلًا.

ونقل التقرير عن مسؤول في جبهة البوليساريو قوله إن الجبهة «لم تقبل خطة الحكم الذاتي المغربية أساسًا للمفاوضات، كما أن مجلس الأمن الدولي لا يلزمنا بقبولها».

تحذيرات من تهميش جبهة البوليساريو والبحث عن بدائل

وسلط التقرير الضوء على تحركات أمريكية لدراسة إمكانية إشراك أطراف صحراوية أخرى في المفاوضات، من بينها حركة «صحراويون من أجل السلام» -تؤكد الصحافة الإسبانية نقلا عن الاستخبارات الاسبانية، أن المخابرات المغربية كانت وراء إنشاء هذا التنظيم الذي يكرر أطروحات الرباط فقط.

وأشار التقرير، إلى أن واشنطن قد تسعى إلى إدخال تعديلات على الإطار الدبلوماسي تسمح بتوسيع دائرة المشاركين، بما قد يفتح المجال أمام ممثلين صحراويين آخرين بدلًا من الاقتصار على جبهة البوليساريو.

غير أن المجموعة حذرت من أن تجاوز الجبهة لن يضمن التوصل إلى تسوية قابلة للاستمرار، بل قد يؤدي إلى اتفاق يفتقر إلى القبول الشعبي ويزيد التوترات الإقليمية.

ونقل التقرير عن مسؤول في البوليساريو رده على محاولات الترويج لأطراف صحراوية بديلة، قائلًا: «ينبغي للمسؤولين الأمريكيين أن يأتوا إلى الميدان ليروا من يمثل الصحراويين حقًا. البوليساريو نابعة من الشعب ولا تزال ممثلته. أما الجماعات التي يريدون الترويج لها فلا تمثل شيئًا».

وشدد التقرير على ضرورة توقف الولايات المتحدة عن الإيحاء بإمكانية استبدال جبهة البوليساريو بممثلين صحراويين آخرين في المفاوضات الرئيسية.

قرار مجلس الأمن لا يغلق الباب أمام الخيارات الأخرى

وتوقف التقرير عند قرار مجلس الأمن الدولي الصادر في أكتوبر 2025 بشأن تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو»، موضحًا أن الصياغة النهائية جاءت أقل حسمًا من المسودة الأمريكية الأولى، التي وصفت الحكم الذاتي بأنه «الأساس» للمفاوضات المستقبلية و«الحل الأكثر قابلية للتطبيق».

وأشار إلى أن المشاورات بين أعضاء المجلس أدت إلى تخفيف الصياغة، بما أبقى المجال مفتوحًا لمناقشة مقترحات أخرى، رغم الدعم الذي منحه القرار لخطة الحكم الذاتي المغربية.

وأوضح التقرير أن البوليساريو رفضت القرار، مع اعتباره النسخة النهائية أفضل من المسودة الأولى، وتمسك الجبهة بمطلب إجراء استفتاء لتقرير المصير.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، أوضح عقب التصويت، أن دعم واشنطن للحكم الذاتي لا يعني استبعاد أي حل آخر يمكن أن تتفق عليه الأطراف.

ونقل التقرير عن مسؤول في البوليساريو قوله آنذاك إن «لغة بولس أكثر حيادًا من قرار مجلس الأمن الدولي»، في إشارة إلى وجود مساحة للتحرك الدبلوماسي بعيدًا عن فرض نتيجة محددة سلفًا.

التطبيع المغربي الإسرائيلي في حسابات الرباط بشأن الصحراء الغربية

وربط التقرير بين التحركات المغربية لتعزيز العلاقات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومساعي الرباط للحصول على دعم أمريكي أكثر وضوحًا لمقترح الحكم الذاتي.

وفي هذا الإطار، أشار إلى الاجتماع الذي جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز في نيويورك يوم 15 سبتمبر، والذي اتفقت خلاله الأطراف الثلاثة على الارتقاء بالعلاقات المغربية الإسرائيلية، بالتوازي مع تأكيد دعمها للسيادة المغربية على الصحراء الغربية وخطة الحكم الذاتي.

ونقل التقرير عن خبير مغربي قوله إن الاتفاق الثلاثي يشكل جزءًا أساسيًا من مقاربة المغرب للصحراء الغربية، مضيفًا أن الارتقاء بالعلاقات مع إسرائيل يمثل خطوة موجهة إلى واشنطن، في ظل حاجة الرباط إلى دعم الولايات المتحدة قبل اجتماع مجلس الأمن المقبل.

تحذير من إنهاء «مينورسو» ومخاطر توسيع المواجهة

وحذر التقرير من أن تقليص مهام بعثة «مينورسو» أو إنهاء وجودها قد يرفع مخاطر التصعيد العسكري، في ظل استمرار التوتر بين المغرب وجبهة البوليساريو منذ انهيار وقف إطلاق النار عام 2020.

وأوضح أن البعثة خضعت بالفعل لتقليصات شملت إلغاء 23 وظيفة مدنية، وخفض ساعات الطيران، وتقليص ميزانيتها بنسبة 11.5 بالمائة، وسط مخاوف من أن تدفع واشنطن باتجاه مزيد من التخفيضات أو إنهاء المهمة.

ورغم تراجع الدور السياسي للبعثة، أكد التقرير أن استمرار وجودها يظل ضروريًا للحفاظ على الاستقرار ومراقبة الوضع العسكري، محذرًا من أن الانسحاب من المنطقة العازلة قد يفتح الباب أمام مواجهات أوسع تمتد تداعياتها إلى الجزائر وموريتانيا.

ودعت المجموعة مجلس الأمن إلى ضمان ألا تؤدي أي مراجعة لمهام البعثة إلى إضعاف دورها في المراقبة العسكرية، معتبرة أن وجودها يمثل إحدى الآليات القليلة المتبقية لاحتواء مخاطر اتساع النزاع.

خطة جيمس بيكر للخروج من المأزق

وفي مقترح للخروج من المأزق الدبلوماسي، دعت مجموعة الأزمات الدولية جبهة البوليساريو إلى تقديم تصور تفاوضي جديد يستند إلى خطة جيمس بيكر لعام 2003، التي تنص على حق تقرير المصير.

وأشار إلى أن البوليساريو قبلت الخطة في حين رفضتها الرباط، معتبرًا أن الاستناد إليها قد يوفر أساسًا لإعادة إطلاق المفاوضات وتقريب وجهات النظر.

كما دعا التقرير المغرب إلى إظهار مرونة أكبر، وعدم التعامل مع الحكم الذاتي بوصفه نتيجة نهائية يمكن فرضها أو التعجيل بها، مؤكدًا أن التسوية المستدامة تتطلب مناقشة شروط أي اتفاق مستقبلي مع جبهة البوليساريو، بدلًا من تقديم المقترح المغربي باعتباره أمرًا واقعًا لا رجعة فيه.

إعادة بناء الثقة شرط لتسوية مستدامة

وخلص التقرير إلى أن معالجة المأزق الحالي تتطلب من واشنطن والأمم المتحدة التخلي عن الرهان على تسوية سريعة، والتركيز بدلًا من ذلك على تدابير عملية لإعادة بناء الثقة بين الأطراف.

واقترح استئناف الزيارات العائلية بين مخيمات اللاجئين الصحراويين في الجزائر والمناطق المحتلة من المغرب، بعد تعليق البرنامج عام 2014، بما يسمح بإعادة وصل العائلات التي فرقها النزاع وتوفير مجال للتعاون الإنساني.

كما دعا المغرب إلى إطلاق سراح سجناء صحراويين اعتُقلوا على خلفية احتجاجات أكديم إزيك عام 2010، أو الاستجابة لطلبات نقلهم إلى سجون أقرب إلى عائلاتهم.

وشدد التقرير على أهمية تنظيم زيارات لمسؤولين أمريكيين وأمميين إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف، للاجتماع بقيادة البوليساريو والاستماع مباشرة إلى مطالب اللاجئين.

كما دعا واشنطن إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجزائر والمغرب، وتجنب إعطاء الانطباع بأنها تنحاز إلى الرباط.

وأكدت مجموعة الأزمات الدولية أن نزاع الصحراء الغربية، الذي تجاوز خمسة عقود، لا يمكن حله بالإكراه وحده، محذرة من أن تكثيف الضغط على البوليساريو والجهات الداعمة لها لفرض القبول السريع بالحكم الذاتي المغربي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويعمق الأزمة بدلًا من إنهائها.

ويبرز التقرير، في مجمله، أن تجاوز جبهة البوليساريو أو فرض نتيجة مسبقة على المفاوضات لن يضمن تسوية النزاع، وأن الحفاظ على إطار تفاوضي مفتوح، وإعادة بناء الثقة، واحترام حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، تظل عناصر أساسية لأي مسار سياسي يراد له أن يفضي إلى حل مستدام.

مقالات ذات صلة