الجزائر
تضامن متجذر يظهر جليا عند الشدائد

الأزمات تستنهض روح الجماعة لدى الجزائريين وتحول التعاطف إلى فعل ومبادرة

وهيبة.س/ نادية سليماني
  • 71
  • 0

في كل مرة تضيق فيها الحياة بالجزائريين، تظهر خصلة تكاد تكون راسخة في وجدان المجتمع، وهي التضامن وقت الشدة. فحين تحل الكوارث والمحن، تتراجع الفوارق الاجتماعية والمناطقية، ويعلو صوت واحد عنوانه “الوقوف إلى جانب من يحتاج المساعدة”. وقد عادت هذه الصورة بقوة خلال الحرائق الأخيرة التي مست عددا من الولايات الشرقية، وفي مقدمتها جيجل، حيث تحولت مشاهد الألم والخسائر إلى مشاهد أخرى عنوانها التآزر والتكافل الشعبي.

فمن مختلف ولايات الوطن، تحرك مواطنون وجمعيات ومتطوعون لإرسال المواد الغذائية والمياه والأفرشة والمستلزمات الطبية وغيرها من الاحتياجات الضرورية للعائلات المتضررة. كما شهدت عدة مناطق مبادرات فردية وجماعية، تؤكد أن التضامن في الجزائر لا يبقى مجرد مشاعر أو كلمات، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى سلوك عملي وميداني.
ويفسر مختصون في علم النفس والاجتماع هذه الظاهرة بكون الأزمات الكبرى تستنهض لدى الأفراد ما يسمى بالشعور بالانتماء الجماعي، حيث يشعر المواطن بأن الخطر الذي يهدد شخصا أو عائلة في منطقة أخرى يمكن أن يمسه هو أيضا، فيتولد لديه دافع للمساعدة والمساندة.
فمن الناحية النفسية، لا يمنح التضامن المساعدة للمتضرر فقط، بل يساعد أيضا المتضامن نفسه على الشعور بأنه قادر على فعل شيء في مواجهة حدث كبير قد يجعله يشعر بالعجز والخوف. فالتبرع، أو التطوع، أو نقل المساعدات، أو حتى تقديم الدعم المعنوي، كلها سلوكيات تمنح الفرد إحساسا بالفاعلية والانتماء. ومن جهتهم، يرى علماء الاجتماع أن التضامن الجزائري لا يمكن فصله عن الذاكرة الجماعية للمجتمع، الذي عرف عبر تاريخه فترات صعبة فرضت على أفراده الاعتماد المتبادل والتعاون.
فقد كان التكافل داخل الأحياء والقرى والعائلات جزءا من الحياة اليومية، قبل أن تتوسع أشكاله اليوم لتشمل الجمعيات والمجتمع المدني والمبادرات الفردية وشبكات التواصل الاجتماعي.

المحنة تتحول إلى قوة جماعية

ولذلك، فإن صور الجزائريين وهم يجمعون التبرعات، أو يملؤون الشاحنات بالمياه والمواد الغذائية، أو يقطعون مئات الكيلومترات باتجاه المناطق المنكوبة، ليست مجرد رد فعل عابر على الحرائق، بل تعبير عن ثقافة اجتماعية ترى في مساعدة الآخر واجبا إنسانيا وأخلاقيا.
وقد أظهرت الأيام الأخيرة بالفعل هبة تضامنية واسعة، مع استمرار القوافل المتجهة إلى جيجل ومناطق أخرى متضررة، في مشهد عكس وحدة المجتمع وتلاحمه في مواجهة الكارثة.

واللافت في هذه الهبات التضامنية، أن الجزائري لا يكتفي غالبا بالتعاطف مع الضحية، بل يسعى إلى تحويل مشاعره إلى فعل. طفل يتبرع بما يستطيع، امرأة تحمل الماء، شاب يضع سيارته تحت تصرف حملة إغاثة، طبيب يتطوع لتقديم العلاج، وسائق يقطع الطريق لنقل المساعدات… كلها صور مختلفة لقيمة واحدة هي: “أنا معك في المحنة”.

البروفيسور في علم النفس، أحمد قوراية لـ”الشروق“:
التماسك النفسي والاجتماعي… سلاح الجزائريين في مواجهة المحن

قال المختص في علم النفس، أحمد قوراية، بأن الجزائريين يكشفون في كل مرة تحل فيها كارثة أو تشتد فيها محنة، عن “قدرة لافتة على التماسك النفسي والاجتماعي، وتحويل مشاعر الخوف والقلق إلى طاقة جماعية للتضامن والمساندة.”
ولعل مشاهد الهبة الشعبية التي رافقت حرائق الغابات الأخيرة، على حد قوله، وما رافقها من قوافل إغاثة ومساعدات وتطوع، تؤكد أن التضامن ليس سلوكا ظرفيا في المجتمع الجزائري، وإنما قيمة متجذرة في الوعي الجماعي، تظهر بقوة كلما احتاج الوطن إلى أبنائه.
وأكد المتحدث، أن هذه الروح التضامنية تجد امتدادها في الذاكرة الجماعية للجزائريين، الذين عاش أجدادهم مراحل تاريخية صعبة، وكافحوا القهر الاستعماري صفا واحدا، فكانت وحدة الصف والتكافل من أهم عوامل الصمود في مواجهة المحن. “ومنذ ذلك الحين، ظل التعاون الاجتماعي حاضرا في مختلف الأزمات، يتجدد كلما واجه الجزائريون خطرا أو كارثة تمس إحدى مناطق الوطن”، على حد قوله.
ويعتبر البروفيسور في علم النفس، أنه خلال السنوات الأخيرة، برزت هذه الروح بشكل واضح في مواجهة مختلف الأزمات والكوارث، وعلى رأسها حرائق الغابات الموسمية التي مست عددا من الولايات.
“فما إن تشتعل النيران في منطقة حتى تتغير صورة المجتمع بأكمله، ويتحول المواطنون، كل من موقعه، إلى جنود في معركة واحدة… فمن مواطن يتبرع بما يستطيع، إلى سائق ينقل المساعدات لمسافات طويلة، ومتطوع يسارع إلى المناطق المتضررة، وصولا إلى فرق الحماية المدنية والجيش والأمن، تتشكل لوحة وطنية عنوانها الأبرز ألم منطقة هو ألم الجزائر كلها”.
وأضاف محدثنا، أنه لا تتوقف هذه الاستجابة عند تقديم المواد الغذائية والأفرشة والمياه والأدوية، بل تمتد إلى تقديم الدعم المعنوي والنفسي للضحايا، ومساعدتهم على تجاوز الخوف والصدمة واستعادة الشعور بالأمان بعد فقدان المنازل والممتلكات أو اضطراب الحياة اليومية.

عندما تذوب التنظيمات في الهبة الشعبية

ولعل اللافت في المشهد التضامني الجزائري، بحسب محدثنا، أن الجمعيات والمنظمات والأحزاب لا تبدو دائما في مقدمة الصورة، ليس بالضرورة بسبب غيابها، وإنما لأن المواطن يسبق أحيانا الأطر التنظيمية نفسها. وقال إن الأفراد الذين يشكلون هذه الهيئات “هم جزء من النسيج الشعبي ذاته، ولذلك يتحركون، في كثير من الحالات، بصورة تلقائية وفورية قبل انتظار أي مبادرة منظمة.”
ليشبه قوراية، بأن التضامن بين الجزائريين أشبه بغريزة جماعية تدفع الجزائري إلى المبادرة بمجرد سماعه أن أبناء منطقة ما يعيشون محنة، فيتراجع حضور التنظيم أمام قوة الإرادة الشعبية، وتذوب الحدود بين الجمعية والمواطن والمتطوع، ليصبح الجميع جزءا من هبة تضامنية واحدة.
ولا تقتصر أهمية هذا التضامن، بحسبه، على الجانب المادي، بل “يؤدي دورا نفسيا واجتماعيا بالغ الأهمية. ففي مواجهة الكوارث، يحتاج الإنسان إلى الشعور بأنه ليس وحيدا، وأن المجتمع يقف إلى جانبه.” وهذا بالضبط ما تصنعه الهبات التضامنية، حين تخفف الإحساس بالخوف والعجز، وتعيد للمتضررين شيئا من الطمأنينة والأمان.
وهكذا، يتحول التماسك النفسي والاجتماعي للجزائريين إلى درع في مواجهة آثار الكوارث، وإلى مصدر قوة يساعد المجتمع على تجاوز الصدمات. ففي لحظات المحن، يتجسد الجزائريون في صورة جسد واحد، يتقاسمون الألم، ويتقاسمون معه أيضا مسؤولية النهوض من جديد، على حد قول البروفيسور أحمد قوراية.

المختصة في علم الاجتماع السياسي: نجاة بلمحجوب:
تضامن الجزائريين في الأزمات يربك أعداء الوطن

تؤكد نجاة بلمحجوب، أن الشعب الجزائري أثبت أن الجزائر تملك قوة اجتماعية قادرة على التصدي لمحاولات الفتنة والانقسام، ورأت أن مشاهد التضامن والتآزر التي برزت بين الجزائريين خلال الحرائق الأخيرة تحمل دلالات اجتماعية ووطنية عميقة، معتبرة أن هذا التلاحم الشعبي في أوقات الأزمات يشكل رسالة قوية إلى كل من يحاول استهداف الجزائر أو زرع الفتنة والانقسام داخل المجتمع.
وأوضحت بلمحجوب أن الجزائريين، ورغم اختلافاتهم الطبيعية في الأفكار والمواقف والانتماءات الاجتماعية، سرعان ما يستعيدون وحدة الصف عندما يتعلق الأمر بأمن الوطن وسلامة أبنائه، مشيرة إلى أن الأزمات والكوارث تكشف في كثير من الأحيان حقيقة الروابط الاجتماعية التي تجمع أفراد المجتمع، بعيدا عن الصورة التي يحاول البعض تقديمها عن وجود انقسامات عميقة تهدد تماسك الجزائريين.
وترى المختصة في علم الاجتماع السياسي أن التضامن الذي ظهر خلال الحرائق الأخيرة لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد رد فعل ظرفي على كارثة طبيعية، وإنما باعتباره تعبيرا عن مخزون اجتماعي وثقافي متجذر في الشخصية الجزائرية، حيث هب المواطنون من مختلف الأعمار والمناطق لمساعدة المتضررين، وتقديم المواد الغذائية والمياه والأدوية والأفرشة، فضلا عن مشاركة الشباب في عمليات الإغاثة والمساعدة الميدانية.
وقالت إن هذه الصور “تربك أعداء الوطن وتجعلهم يفكرون ألف مرة قبل محاولة التخطيط لإيذاء الجزائر”، لأن أي جهة تراهن على تفكيك المجتمع أو استغلال الأزمات لإثارة الفتنة ستجد أمامها شعبا قادرا على استعادة وحدته بسرعة عندما يشعر بأن وطنه مهدد، على حد قولها.
وأضافت أن بعض الأصوات التي تسعى إلى تضخيم الخلافات الاجتماعية أو السياسية ومحاولة تصوير المجتمع الجزائري على أنه منقسم، تصطدم في كل مرة بواقع مختلف يظهر عند المحن، حيث تتراجع الخلافات ويعلو صوت التضامن والمصلحة الوطنية.

شبابنا… قوة ضاربة في مواجهة الأزمات

وبحسب بلمحجوب، فإن اللافت خلال الحرائق الأخيرة كان الدور الكبير الذي أداه الشباب الجزائري، الذين أثبتوا أنهم ليسوا مجرد متابعين للأحداث، بل قوة اجتماعية حاضرة ومستعدة للمبادرة والتحرك في الميدان.
وترى أن صور الشباب وهم يجمعون المساعدات وينقلونها إلى المناطق المنكوبة، ويساعدون العائلات المتضررة، ويشاركون في عمليات الإغاثة، قدمت صورة حقيقية عن جيل قادر على تحمل المسؤولية عندما يتعلق الأمر بالوطن.
وتربط بلمحجوب هذا السلوك بما قاله الشهيد العربي بن مهيدي خلال الثورة التحريرية: “ألقوا الثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب”، معتبرة أن قوة هذه العبارة تكمن في قدرتها على تفسير العلاقة بين الشعب والقضايا الوطنية الكبرى.
وتؤكد أن الجزائريين، شبابا وكهولا وأطفالا، أثبتوا من خلال مواقفهم التضامنية أن لديهم استعدادا فطريا لاحتضان كل جهد جماعي يستهدف حماية الوطن وخدمة المجتمع، مشددة على أن وحدة الجزائريين تبقى واحدة من أهم عناصر القوة التي ينبغي الحفاظ عليها وتعزيزها، خصوصا في ظل التحديات التي تواجه البلاد ومحاولات استغلال الأزمات لبث اليأس والفرقة.
وتخلص المختصة إلى أن ما حدث خلال الحرائق الأخيرة قدم رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن الجزائر لا تقاس فقط بقوة مؤسساتها وإمكاناتها المادية، وإنما أيضا بقوة مجتمعها وقدرته على التلاحم عندما تقتضي الضرورة، وأن الشعب الذي يتكاتف في مواجهة المحن يصعب اختراقه أو دفعه نحو الفتنة والانقسام.

الباحثة في علم الاجتماع ثريا التيجاني تؤكد لـ”الشروق”:
حرائق الغابات المهولة كفيلة بتغيير بعض السلوكيات عند الجزائريين

يرى الكثير من المختصين في علم الاجتماع بالجزائر، أن حرائق غابات جيجل وسكيكدة وبجاية وميلة، ليست مجرد كارثة بيئية، بل هي أزمة اجتماعية نفسية، لديها آثار واضحة على سلوك الأفراد وعلاقاتهم في الأحياء والشوارع، والمدن، خاصة أن اندلاع نيران هذه الحرائق واقترابها من المناطق السكنية، غيرت حياة بعض سكانها بشكل مفاجئ، بحيث بات التعاون والحذر والتضامن جزءا من حياتهم اليومية.

وحول الموضوع، قالت الباحثة في علم الاجتماع ثريا التيجاني، أستاذة بجامعة الجزائر، إن التعاون الاجتماعي ظهر بصورة كبيرة وواضحة، ففي عز لحظات الخطر، سارع الجزائريين إلى مساعدة الضحايا، سواء في عمليات الإجلاء أم تقديم المأوى والغذاء، ورغم الكارثة وشدة الحرارة، بحسبها، فإن أفراد من المجتمع شاركوا في حملات التوعية والتنظيف وهو ما عزز الشعور بالمسؤولية الجماعية.

بين التضامن والخوف… الحذر من الغابة والطقس إجراءات وقائية

وأكدت الباحثة في علم الاجتماع، أن حرائق الغابات وخاصة عندما يكون هناك ضحايا بشرية، قد يؤدي إلى انتشار واسع للخوف والقلق بين بعض الجزائريين، خصوصا عند الذين فقدوا منازلهم أو ممتلكاتهم.

وأوضحت التيجاني، أن هذا الشعور قد يؤدي ببعض الجزائريين إلى تجنب المناطق الغابية والحد من الأنشطة الخارجية، إذ يصبحون أكثر حرصا على متابعة أخبار الطقس والحرائق واتخاذ إجراءات الوقاية.

وبحسب التيجاني، فإن الحرائق المهولة التي تخلف أضرارا بيئية وبشرية وخسائر في الممتلكات، تستمر آثارها الاجتماعية والنفسية لفترة طويلة، من خلال تغير بعض السلوكيات، حيث يمكن أن يزداد وعي المواطنين بخطورة إهمال الغابات، مثل إشعال النار في الأماكن غير المخصصة لذلك أو رمي أعقاب السجائر والنفايات القابلة للاشتعال، وكما يمكن أن تشجع هذه الكوارث على المشاركة في حملات التشجير وحماية البيئة.

وأشارت الباحثة في علم الاجتماع، ثريا التيجاني، أنه في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن من خلالها تبادل المعلومات والتحذير من بعض التصرفات وطلب المساعدة، محذرة في السياق، من انتشار الشائعات والأخبار الزائفة وغير المؤكدة، لأنها تؤدي في بعض الأحيان، إلى زيادة الخوف والارتباك.

ويمكن القول، أن حرائق الغابات، وبحسب التيجاني، تختبر قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات، فرغم أنها قد تسبب الخوف والخسائر، إلا أنها في الوقت نفسه يمكن أن تعزز التضامن والمسؤولية والوعي البيئي.

مقالات ذات صلة