الأعلام الجزائرية تزيّن فنادق تونس والصيف يتمدد إلى غاية أكتوبر
تمكنت تونس مباشرة بعد نهاية الشهر الفضيل من استرجاع أيامها السياحية الخوالي، وهي تراهن على أن يكون كامل شهر سبتمبر وبداية شهر أكتوبر زاهرا بمزيد من سياح الجزائر وليبيا، خاصة أن الجو استعاد شمسه وحرارته بعد سيول الأمطار منذ أمس الأربعاء، إلى درجة أن الكثير من المركبات السياحية التونسية أعلنت عجزها عن استقبال السياح إلى غاية منتصف شهر أكتوبر بسبب حجوزات السياح الجزائريين الذي قلبوا الكثير من المعادلات السياحية التي سارت عليها تونس في عهدي الرئيسين السابقين زين العابدين بن علي والحبيب بورقيبة.
ولم يقتصر دخول تونس لأجل السياحة على العائلات الجزائرية المتوسطة الحال بل أن الكثير من الشباب البطال وحتى الذين صُنفوا دون المتوسط دخلوا تونس وسكنوا فنادقها ذات الأربع والثلاث نجوم، فكانوا في بعض المدن السياحية مثل طبرقة وسوسة والحمامات وكأنهم أهل الدار وتوادت كل أرقام السيارات من دون استثناء، حيث علقت المركبات السياحية العلم الجزائري في مدخلها، وقامت بالترحيب بالوافدين الجزائريين الذين رغم حلول شهر سبتمبر وهو موعد الدخول الاجتماعي إلا أن توافدهم تضاعف، وتدفقهم ظل يزداد من يوم إلى آخر.
وإذا كانت أكبر المركبات السياحية التونسية قد أدخلت زوارها في أجواء عائلية رمضانية متميزة سواء من حيث تقديم الفطور التقليدي ودعوة الأوروبيين وكل الجنسيات ليعيشوا في أجواء الشهر الكريم من حيث الوجبات والحفلات الخاصة، إلا أن الرهان على السائح الليبي والجزائري كان واضحا بعد أن ضربت الأزمة الاقتصادية أوربا ونزلت أسعار الفنادق في اليونان وإسبانيا إلى أدنى مستوياتها، حتى أن بعض الفنادق خلعت لباسها القديم نهائيا، فما عادت تقدم في مطاعمها لحم الخنزير خاصة في المركبات السياحية المتواجدة في نابل وسوسة والحمامات، كما أن مسابح وشواطئ هذه المركبات صارت مفتوحة لكل الزبائن وخاصة الزبونات، ولم يعد غريبا أن تجد مرتدية للنقاب ورجل بلباسه السلفي داخل الفنادق الفخمة للاستجمام، وكان منذ سنتين يُمنع دخول المحجبات المسابح خوفا من تضييع السياح الأوروبيين، ولكن الأمور تغيرت رغم أن القائمين على السياحة التونسية يخشون من انقسام المركبات السياحية بين من تستقبل المغاربيين وأخرى تستقبل الأوروبيين، لأن ذلك سيُفقد السياحة أهم ركائزها وهي المنافسة.
وبدا السياح الأوروبيون أكثر تأقلما مع الوضع الجديد الذي فرضه الجزائريون والليبيون وحتى الكثير من التونسيين إذ انقرضت نهائيا ظاهرة السباحة بصدور عارية من الأوروبيات كما كان حاصلا في زمن زين العابدين بن علي، واختفت المراقص الماجنة الكبرى التي كان كل شيء فيها مباحا واختفت السياحة الجنسية التي حاول البعض إلصاقها بتونس وظهرت سياحة نظيفة جعلت حتى التونسييين يقبلون عليها بقوة، حيث صار السائح التونسي يشكل رقما مهما في الفنادق والمركبات السياحية التونسية بعد أن ظل مغيبا لعقود عن ثروته الأولى.
الرهان على الجزائريين والليبيين لتعويض الأوروبيين
سألنا مدير فندق في الحمامات عما سمته الصحافة التونسية بغزوة المحجبات، فقال إن أوامر من أعلى السلطات طالبتهم باحترام تقاليد الزائرين، وأكد أن السائح الجزائري صار نوعيا ويتفوق على السياح الأوروبيين من حيث إنفاقه المالي، كما أن الليبيين الذين غابوا خلال الموسم الماضي بسبب سوء الأحوال الأمنية داخل ليبيا، وخوفهم من الحضور برّا عادوا هذا العام بقوة وأيضا بتقاليد جديدة من حجاب ونقاب ووجدوا خدمات مختلفة عن السابق.
ورغم ما عاشته سيدي بوزيد أول أمس من حرق لحانة واشتراط على بعض الفنادق منع الأزواج من استغلالها للميوعة، صارت مصالح الأمن التونسية تضرب بيد من حديد على كل من يتواجد في وضعيات مخلة كما حصل أول أمس في منطقة المنزه، حيث ضبطت ثلاثة شباب ليبيين وتونسيات في شقة مفروشة فحولتهم إلى النيابة، هذه الأجواء العائلية مع عودة الأمن بشكل لافت جعلت الجزائريين يتوجهون بكامل أفراد العائلة، وهناك عائلات كبرى توجهت من العاصمة عبر ثلاث أو أربع سيارات وصنعت أجواء عائلية وكأنها في أعراس داخل المركبات السياحية، وهي الأجواء التي ابتهج لها التونسيون الذين قدموا حفلات ليلية بالأغاني الجزائرية للشاب مامي وتاكفاريناس وخالد وبلال كما هو الحال في كل مركبات طبرقة السياحية.
ورغم ما عاناه الجزائريون في تحويل العملة حيث عجزت بعض البنوك الجزائرية من استقبال الآلاف من السياح، وتعاملت البقية ببيروقراطيتها المعروفة ورغم ارتفاع سعر الدينار التونسي في السوق الموازية إلى حدود 7700 دج لكل 100 دينار تونسي ورغم انعدام المازوت والبنزين من المحطات الموجودة في المناطق الحدودية بسوق اهراس وتبسة والطارف، ورغم اقتراب الدخول المدرسي إلا أن العائلات الجزائرية حطمت هذا العام رقما قياسيا في توافدها على تونس بعد أن قضت شهر رمضان في أرض الوطن.
مهاجرون التقوا بذويهم في تونس؟
لكن الظاهرة المؤسفة أن الكثير من الجزائريين التقوا بذويهم المهاجرين في تونس، وقد التقينا بالعشرات من الذين مازالوا يصرّون على لقاء ذويهم في المركبات والفنادق السياحية، إذ أجمعوا على أن غلاء تذاكر السفر نحو الجزائر عبر الخطوط الجوية الجزائرية، وانعدام المرافق السياحية والموجود منها غالي الثمن ولا يقدم خدمات جيدة إضافة إلى أن بعض المهاجرين يهربون من الأعراس والولائم التي تُتعبهم في الجزائر وتثقلهم كاهلهم المادي والصحي، فيطلبون ذويهم للالتقاء في سهرات وأيام راحة في تونس ومن المؤسف أن غالبية المهاجرين الجزائريين يفضلون قضاء عطلتهم في مدينة طبرقة التي لا تبعد عن مدينة القالة الجزائرية بأكثر من عشرين كيلومترا، ونصف ساعة تكفيهم لدخول أرض الوطن عبر مركزي أم الطبول أو العيون بولاية الطارف.
ومازال السائح الفرنسي يحتل مقدمة السياح الأوروبيين الذين يدخلون تونس وغالبية هؤلاء من أصول جزائرية ولكنهم يدخلون عبر وكالات سياحية في فرنسا وبجوازات سفر فرنسية، أما في الأسواق فإن استهلاك السائح الجزائري صار مقتصرا على الغذاء والهدايا فقط كما هو الحال بالنسبة للسائح الأوروبي والياباني والأمريكي، لأن ما هو موجود في الجزائر من سلع يغنيهم عن التفكير في دخول أسواق تونس، خاصة أن التونسيين صاروا يتسوقون من الجزائر، وما لفت انتباهنا في تونس أن مختلف المركبات السياحية مازالت تنتظر تسليم الطريق السيار شرق غرب بعد أن تعطل في محوره المهم بالنسبة لتونس وهو الفاصل بين قسنطينة والقالة، حيث أن تأجيل التسليم إلى غاية نهاية 2014 سييجعل التونسيين ينتظرون سنتين كاملتين ليضاعفوا من تواجد مزيد من السياح الجزائريين.