العالم
المصير المجهول ينتظر باريس في منطقة نفوذها التاريخي

الأفارقة ينتفضون ضد الوجود الفرنسي في القارة السمراء

وليد. ع
  • 4132
  • 0
ح.م

بعد عقود من الاستعمار والتبعية والنهب المنظم لمقدرات بلدانهم، استفاق الأفارقة على حقيقة كانوا يعلمونها سلفا، وهي أن فرنسا سبب كل مشاكلهم ومآسيهم، ومن حجم هذه المعاناة بزغت حركة ثورية هادئة، ضد الوجود الفرنسي في إفريقيا في مرحلة ما بعد الاستعمار.
ثورة اليقظة هذه فجرتها الممارسات النيوكولونيالية الفرنسية في منطقة الساحل خاصة، بداعي محاربة الإرهاب ولاسيما في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بداية من عام 2013، تحت مسمى “سيرفال” و”برخان”، وهي العملية التي أفضت إلى فشل ذريع، حيث اضطرت باريس إلى المغادرة تحت طائلة الاتهامات بتفريخ الإرهاب في المنطقة وليس محاربته، وهو الاتهام الذي جاءها من مسؤول مالي كبير في مستوى رئيس الوزراء السابق شوغيل كوكالا مايغا، من على منبر هيئة الأمم المتحدة.
الرفض الإفريقي للوجود الفرنسي جسدته دراسة أنجزت من قبل هيئة تسمى “دعونا نقلب الصفحة”، وهي حركة دولية، تجمع أكثر من 250 منظمة من منظمات المجتمع المدني الإفريقية والأوروبية، والتي تهدف إلى تعزيز التناوب الديمقراطي والعمل من أجل الوصول إلى الحكم الرشيد.
وتقوم هذه الدراسة على استطلاع آراء الأفارقة حول الوجود الفرنسي في القارة السمراء، وما إذا كان هذا الوجود يساعد في إرساء ما يصبو إليه السكان المحليون، أم أنه وجود قائم على سرقة مقدرات البلدان الإفريقية والحفاظ على أنظمة ديكتاتورية معزولة عن الشعب، لا تولي أهمية سوى للمصالح الفرنسية في المنطقة.
وفي هذه الدراسة تم استطلاع آراء سكان أفارقة في كل من بنين، الكاميرون، كوت ديفوار، الغابون، النيجر، تشاد، وخلصت مجمل الآراء إلى رفض السياسة الفرنسية في إفريقيا، لكونها لا تخدم مصالح شعوب القارة السمراء، بقدر ما تخدم مصالح الفرنسيين، الذين جعلوا من تلك الدول حديقة خلفية للممارسات الموروثة عن الاستعمار ولكن بأوجه جديدة ومختلفة.
وتوقفت الدراسة بالتحليل والرصد عند مواقف بعض النخب في الدول التي شهدت انقلابات في الآونة الأخيرة، مثل انقلاب النيجر في سنة 2023 وانقلاب مالي في سنة 2021، وكذا الأحداث المشابهة التي عاشت على وقعها الدولة المجاورة بوركينا فاسو، وهي الأحداث التي قادت إلى تنامي حالة من الرفض العام للوجود الفرنسي في المنطقة، طبعته المظاهرات الشعبية التي شهدتها شوارع تلك المدن، والتي طالبت بقوة بمغادرة الوجود العسكري الفرنسي في تلك الدول.

المشاعر المعادية للفرنسيين
وتشير الدراسة إلى أن الوجود الفرنسي في القارة السمراء ولاسيما في منطقة الساحل، أصبح مرفوضا من قبل الدوائر المناضلة والأكاديمية، في شعار تبلور تحت مسمى “المشاعر المعادية للفرنسيين في إفريقيا”.
وهو أشار إليه الكاتب مارتان مور في مقال له، وهو المعطى الذي اعتبره “ظاهرة ثانوية تقلق الزعماء السياسيين الفرنسيين أكثر من قلق السكان الأفارقة – إذا كان هناك شعور يجب معالجته كأولوية اليوم في منطقة الساحل، مرتبطة بالوضع الأمني”، وتنسحب هذه القناعة حتى على الكيفية التي يتعامل بها الفرنسيون مع الأفارقة المقيمين على التراب الفرنسي.
ويحاول الأفارقة من خلال هذه الدراسة مساعدة الفرنسيين لفهم ما يبرر تراجع سمعتهم لدى الشعوب الإفريقية، التي يعتقدون أنهم أطبقوا سيطرتهم عليها، من خلال جملة من المبررات، والتي آخرها مبرر محاربة الإرهاب، وهوا الاختبار الذي فشلت فيه السلطات الفرنسية من خلال عمليتي “سيرفال” و”برخان”.

تراجع لافت للحضور الأمني
وتنقل الدراسة عن شواهد على هذا الرفض الفرنسي من قبل بعض النخب في النيجر: “نحن نرفض بشكل قاطع وجود هذه القوى، لأن وجودهم لم يقدم شيئًا على صعيد تحسين الوضع. على العكس تماما، لقد تدهورت الحالة الأمنية. هل هم هناك حقا للحفاظ على سلامتنا أم لدفع الوضع نحو الفوضى؟”.
انهيار منسوب الثقة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة في القارة الإفريقية، يجسده سبر آراء أجري على مستوى خمس دول، وهي كل من الكاميرون وكوت ديفوار وبين والغابون وتشاد، حول مدى نجاعة فرنسا كشريك في المجال الأمني. لقد كانت إجابات المستجوبين صادمة للفرنسيين بشكل كبير.
فعلى مستوى دولة تشاد كانت النتيجة سلبية مدوية، خمسة بالمائة فقط من المستجوبين يرون أن الشراكة الأمنية مع فرنسا ناجعة، مقابل 95 بالمائة يرونها غير ناجحة بالمرة. تليها الكاميرون بنسبة نجاعة لا تتعدى سبعة بالمائة فقط، أما 93 بالمائة من المستجوبين فيرونها غير مفيدة بالمرة.
وفي دولة الغابون يرى 13 بالمائة فقط من المستجوبين بأن الشراكة الأمنية مع فرنسا مفيدة، و15 بالمائة فقط في بنين، فيما تتجه إلى الارتفاع لتصل إلى نسبة 44 بالمائة في حالة كوت ديفوار، وهي دولة تقع في غرب القارة الإفريقية ومعروفة بخضوعها شبه التام للنفوذ الفرنسي، الأمر الذي يصور بدقة السمعة الفرنسية في القارة السمراء، ولاسيما في مستعمراتها السابقة، حيث يفترض أن يكون نفوذها قويا بحكم العوامل التاريخية.

التضييق واستهداف الشركات الفرنسية
التحدي الذي تواجهه المصالح الاقتصادية الفرنسية في افريقيا ليس بالأمر الجديد، غير أنها استعادت قوتها في العقد الماضي، وفق الدراسة، ولكن في خضم صعود معارضة منظمة للنفوذ الاقتصادي للمستعمرة السابقة، ميزه تسجيل “مظاهرات واسعة النطاق ضد الفرنك الإفريقي”، في كل من العاصمة السنغالية داكار وعاصمة البنين، كوتونو، كما سجلت مظاهرات أخرى تستهدف وجود الشركات الفرنسية متعددة الجنسيات في مجال التجارة.
وفي هذا الصدد، سجل في السنغال 28 أعمال شغب استهدفت الشركات الفرنسية خلال التعبئة ضد اعتقال عثمان سونكو (معارض سنغالي منتقد للوجود الفرنسي، وهو اليوم يشغل منصب رئيس الحكومة) في مارس 2021. واليوم وبعد إنهاء حكم الرئيس السابق، مكي صال الموالي لباريس، تحت ضغط الشارع لمنعه من الترشح، طرحت قضية الوجود العسكري الفرنسي في هذا البلد، والذي لم يعد مرحبا به.

شريك غير موثوق على صعيد حقوق الإنسان
تنامي الشعور بعدم الرضا على الفرنسيين ينسحب أيضا على البعد الإنساني والاجتماعي، فقد سئل رعايا مجموعة من الدول حول ما إذا كانت باريس تعتبر شريكا موثوقا به على صعيد الدفاع عن حقوق الإنسان، فكانت الإجابة على مستوى دولة مثل تشاد متدنية، فقد عبر تسعة بالمائة فقط عن رضاهم، مقابل نسبة عدم رضا تصل إلى 89 بالمائة.
تليها دولة الغابون، حيث عبر ما نسبته 19 بالمائة فقط عن رضاهم على التعاون في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، مقابل نسبة عدم رضا تصل إلى 77 بالمائة. أما في دولة البنين فقد عبر 32 بالمائة فقط عن رضاهم على التعاون في هذا المقابل، مقابل نسبة عدم رضا وصلت إلى 63 بالمائة، فيما لقي التعاون حالة من الرضا في كل من الكاميرون وكوت ديفوار، بنسبة رضا بلغت 49 و58 بالمائة على التوالي.

مقالات ذات صلة