الأقصى يضيع والمسلمون في خلاف أزلي
ليست المرة الأولى التي يقوم فيها الصهاينة باقتحام باحات المسجد الأقصى وانتهاك حرماته وتدنيس مقاماته بدافع عقدي يخفي أحيانا الرغبة في محوه والبحث عن انقاض هيكل النبي سليمان أو بدافع التهويد الكلي للمدينة المقدسة للمسلمين والمسيحيين على حد سواء، وليست المرة الأولى التي تطلع فيه التنديدات المتواترة ثم يستمر الانتهاك ويستمر التنديد. مقابل ذلك تمتلأ الصفحات بمناوشات أزلية بين السنة والشيعة في عديد الدول المحيطة بالمنطقة بشكل يوحي بأن المسجد الأقصى في حاجة لأن يدافع عنه البوذيون والسيخ و ليس لمسلمين موحدين تجمعهم الصلاة ويفرقهم الأذان!!
الخلافات المذهبية المستعرة في المنطقة ليس سوى نتاج مشروع صهيوني يعمل على تغذيتها وزراعتها في منطقة تفتت مذهبيا وفكريا وعقائديا حتى لن يكون بمقدورها مستقبلا سوى الدفاع عن الطائفة بدل الأمة، والمذهب الفرعي بدل الدين الجامع، وليس الأقصى “اليتيم” أولى القبلتين وثالث الحرمين، أليس غريبا أن يشغل سقوط رافعة في الحرم المكي العالم بأسره ولا يهتز ضمير أو حرمة مقدسات لأول قبلة توجه لها المسلمون قبل أن يتفرق هؤلاء لسنة وشيعة. نقلت شبكة القدس الإخبارية تصريحا للواء عدنان الضميري الناطق الرسمي للأجهزة الأمنية بالضفة قال فيه “لو حول فيه الاحتلال الإسرائيلي الأقصى إلى حسينية شيعية لتحركت الدول العربية وتركيا ربما لتحرير فلسطين من حسينيات”، وما يصح قوله لذاك الطرف يصح على الطرف الأخر بعدما أعمت الصراعات المذهبية والعرقية الدينية المنطقة من العراق وسوريا مرورا بلبنان وبعدما ذهبت الاستراتيجية الإسلامية الشاملة ضحية الإيديولوجيات المتخلفة. لم يفهم مواطن أمريكي جالس في مطعم سر الصراخ المحتدم بين مسلمين دارت بينهما مناوشات كلامية لم يسمع منها سوى “بل ابو بكر”، “بل علي” فتقدم منهما وسألهما في فضول “من هو الجمهوري ومن هو الديمقراطي”؟ وحينما فهم منهما أنهما يتناوشان بأثر رجعي في قضية مر عليها الف وخمسمائة سنة نظر اليهما في بلاهة ساخرة قائلا” هل أنتما مجنونان لتتعاركا على خلاف من الزمن الماضي، بدل التفكير في الحاضر والمستقبل.. في أي عصر تعيشون”؟
والقضية التي مر عليها الف عام ونصف الألف حولت العقل المسلم لمسخرة عظيمة من تداعياتها ما يدور وما سيدور في الأقصى فالتشتت المذهبي فعل فعلته بشكل مرعب وخطير في المنطقة فصارت كلمة إسرائيل “عبارة لطيفة” لا تثير الحساسية فقبل يومين فقط عرضت قناة السومرية حوارا مع عالم عراقي شيعي قال فيه على الهواء” لو قاتلت ايران مع إسرائيل العراق و هو بلدي فسأكون مع اسرائيل وإيران لأن الإمام المعصوم على حق دائما”.
حينما يصبح العقل المسلم عدوا لنفسه فيحق لإسرائيل أن تستبيح الأرض والعرض والمسجد والقبة والسجاد فلم يحدث وأن تهيأت لها على مر العصر فرصة تخلف وتشرذم مواتية وانحطاط “ديني” تبدو معهما صورة استلام الخليفة عمر الفاروق مفتاح القدس والدخول المظفر للناصر صلاح الدين لأورشليم عقب الحروب الصليبية صورا حالمة لزمن عبقري تجلت فيه عبقرية الرجال قبل أن يتحول الدين ضحية للدهماء والجهال ويكتشف العالم أن المسلمين أعداء للمسلمين قبل أن تعاديهم إسرائيل، ولا حل معقودا سوى على الطائفة العربية المسيحية التي اقترحت قبل سنوات النضال القانوني مع منظمات دولية لحماية التراث المسيحي والإسلامي من خطر التهويد ولا غرو فقد تحول ” المسلمون سنة وشيعة لمجرد “تراث” على حساب تاريخ اسرائيلي جديد يتطور في ثنايا صراعات مذهبية قاتلة بددت الجغرافيا والمقدسات؟