فنان لبست الكاريزما الأسودَ بعد رحيله
مدرس للانضباط ومعلم للتواضع
فنان تنحني الكاريزما في حضوره
رحل الأيقونة “أحمد مزيان”، المعروف بـ “سيد أحمد أقومي”، بعد سنوات طويلة من التوهج في الفن، تاركا وراءه، إرثا زخما، لا يمكن أن نحصره في بضع صفحات. نقف اليوم، لنستذكر حضوره ومسيرته الفنية، التي تلامس نصف قرن، وإن كانت الصفحات تقف خجلا في حصر مسيرته، نال خلالها التكريم أينما حل وارتحل، ولازم التألق، منذ أن أعلن نفسه فنانا للجمهور الجزائري، الذي حفظ ملامحه وكل تفاصيل حضوره، في مختلف الأعمال التي قدمها، التي كانت وستبقى خالدة، ومدرسة يجلس لها الجيل الحالي من الفنانين، لتعلم الكاريزما والحضور والتقمص. وقبل هذا كله: التواضع.
بالعودة إلى مشواره الفني، فقد وضع حجر الأساس في عالم الفن، في ستينيات القرن الماضي، من مواليد حي “بولوغين” بالجزائر العاصمة، سنة 1940، كان متعدد المواهب والحضور، وهو ما سمح له أو ساعده على أن يتأقلم أينما كان، وعلى حسب الدور الذي يقدم له، فلم يجد صعوبة في مغازلة الركح، والتكحل بجمال شاشة التلفزيون، ولم يرهبه عمالقة السينما، فقد وقف معهم وأمامهم منتصب القامة في بعض أعماله، وهو ما جعله من الفنانين القلائل، الذين جمعوا بين كل الفنون بنفس الثقة والكاريزما والحضور، يصفق له جمهوره بعد كل عمل يعرضه بكل حرارة، ويتشوق إلى أعماله القادمة. فعشاق أعماله يعلمون يقينا أنه سيرفع السقف عاليا في كل ما يقدمه.
سيذكره كل من اشتغل إلى جنبه ومعه، وكل من عايش حقبة الفن الأصيل، فقد كان واحدا من صناعها، قدم نفسه خلالها، كجيل اجتهد وتعب من أجل الجزائر في عالم الفن، فوصل بالثقافة والفن إلى الصف الأول، وأصبح عند الكثير الخيار الأمثل. يرحل اليوم، وهو لا يزال يحمل قوة الحضور والتميز، وأناقة فنان لم تخدش تجاعيد العمر جمال محياه، وابتسامته، التي كان يوزعها في كل مكان، يرحل، ويترك الكثير من الأعمال في كل الفنون وعبر كل العقود، التي ستبقى حافظة لذاكرته وذاكرة الثقافة والفن الجزائري، رحل وهو يحمل شوق الكثير ممن أرادوا العمل معه، أو الأخذ من تجربته، يرحل والكثير ممن ساروا معه خلال مسيرته الفنية الطويلة، وهم عطشى إلى ما يقدمه، فهو من يشتاق إليه وهو في الحياة، فكيف حينما يرحل إلى الأبد.

سيد أحمد… الإنسان قبل الفنان
قبل أن يكون سيد أحمد أقومي فنانا أنيقا، فقد كان إنسانا متواضعا، شهد له الكثير بهذا عبر الكثير من المحطات التي لامسها كفنان أو كمسؤول- مدير مسرح- وهذا ما جعله من بين الفنانين الذين تركوا أثرا كبيرا وعميقا، في قلب كل من جلس إليه، أو عرفه عن قرب، وحتى من شاهد أعماله، التي رسم بها طريق حب الجمهور قبل طريق النجاح، فلا نجاح دون حب الجمهور، وهذا ما راهن عليه المرحوم، منذ أن قدم نفسه كفنان جزائري، منذ تلك الفترة، من ستينيات القرن الماضي، وهو يدغدغ حب الجمهور دون توقف، ويرفع من سقف النجاح عاليا للفن الجزائري، ويقدم مثالا حيا، عن الاجتهاد، وأن تكون إنسانا ناجحا وفنانا متألقا، حينما يكون الفن، هدفا أسمى ورسالة، قبل أن يكون شهرة ومالا وسلطانا إن صح التعبير، وحب الجمهور هو الرهان الأكبر، واحترامه ضرورة وليس خيارا، والحفاظ على الذوق العام هو الهدف الذي يعيش من أجله الفنان.

إرث فني زخم كالشلال لا يتوقف عن التدفق
إن الوقوف عند أعمال الراحل، وما قدمه للمكتبة الثقافية بالجزائر، هو بمثابة الوقوف في مساحة خضراء مفتوحة للنظر، لا يمكن أن ترى نهايتها، حيث زرع في كل فن ألوانا مختلفة، عاشت وسوف تعيش لسنوات عديدة، كانت بمثابة توثيق للهوية الفنية الجزائرية، والإعلان عن ميلاد فن جزائري خالص، كان هو أحد صناعه، حيث لامس أكثر من خمسين عملا، على الركح وأمام الشاشة، ومع صناع السينما، وفيها ما هو باللون الأبيض والأسود. وهذا دليل على أن حضوره كان منذ زمن طويل، داخل الوطن وخارجه، بنفس الروح والتألق… لم يكن يجري وراء الشهرة، بقدر ما كانت تسير نحوه، بعد كل عمل كان يقدمه للجمهور، وهو ما جعل منه فنانا عايشته كل الأجيال، فمن لم يعش مع “الرحلة والبيضا”، رفقة الكبير بن عيسى، عاش معه “قنديل” في عاشور العاشر، رفقة الأيقونة “صالح أوقروت”. وهي أعمال خالدة كان مشاركا فيها، وتزينت بحضوره العطر، سوف تبقى راسخة في كل من أحب هذا الفنان المتواضع، والأنيق، وقبله المتمرس والمحترف.
تمتد سنوات حضوره في الفن الجزائري، من ستينيات القرن الماضي، ويمكن أن نحصر العديد من أعماله بين سنتي 1969 و2025، سواء كانت أعمالا تلفزيونية أم سينمائية، توزعت واختلفت عبر هذه السنوات، لكنها كانت متشابهة في النجاح والحضور، بدءا من “زد” في السينما إلى الدراما في “الأرض”، وبينهما كانت أعمال خالدة على غرار الطريق، الثائرون، السكرية، التحدي، محلة وبيضاء، الطاحونة، على الجانب الآخر من البحر، بادي، كان يا ما مكان، موريتوري، الإيطالي، بور في المدينة، الأسود حقا يلائمك، شابة لويزة… أما على الشاشة، فكان حضوره كذلك في أغلب الأعمال الخالدة إلى حد الساعة، على غرار موعد مع القدر، عندما تتمرد الأخلاق، عيسات إيدير، السلطان عاشور 10 الجزء الأول، الأسرار، السلطان عاشور 10 الجزء الثاني، يما، السلطان عاشور العاشر الجزء الثالث، والأرض 2025.
هي مجموعة الأعمال التي شارك فيها، وكانت أدواره مؤثرة فيها، صنع خلالها جوا للتميز كفنان وقبله كإنسان، قدم خلالها نفسه كشخصية من طينة الكبار، ورغم تمرسه عبر سنوات طويلة، إلا أنه بقي بنفس الاجتهاد ونفس الانضباط، وهذا ما يعكس حقيقة نجاحه في كل أعماله، منذ أن وطأت قدماه أروقة الفن في كل مجالاته.
إن الوقوف على ذاكرة الفنان سيد أحمد أقومي، الذي وافته المنية قبل أيام قليلة، ليس من باب: “في الحياة شوقوه تمرة وكي مات علقولو عرجون”، كما يقال بالعامية، لأن الفنان سيد أحمد أقومي، كرم في عدة مناسبات، داخل الوطن وخارجه، وكانت سمعته تسبقه في كل محفل، هنا بالجزائر أو بدول أخرى. لذا، كان من الواجب تكريمه بالمرور على سيرته الفنية، نظير ما قدمه للفن وللثقافة الجزائرية، كما كان خير سفير لها، أينما حل وارتحل، لكن الوقوف عند ذاكرته، هو كاعتراف له على ما قدمه للفن في الجزائر، لم يكن فنانا فحسب، بل كان مدرسة لفناني الجيل الحالي، فمجرد الوقوف معه، على الركح أو أمام الكاميرا، هو بمثابة درس مجاني، سوف يبقى خالدا في الذاكرة.

اسم يعلق إلى جنب الكثير من صناع الفن بالجزائر
يضاف اسم الفنان الكبير سيد علي أقومي بعد رحيله، إلى أسماء أخرى كثيرة رحلت، كان غيابها مؤثرا وخلفت حزنا عميقا بين رفقاء الدرب وزملاء المهنة، عاش معها ولعب أدوارا عديدة برقتها، لحقها إلى دار الفناء، بعدما قدم إلى آخر أيام عمره أعمالا مميزة، لم يرهقه تعب الطريق بعد سنوات طويلة في هذا المجال، ولم يرهقه السهر، استعدادا للقاء جمهوره عبر عديد أعماله، بقي مميزا في حضوره، وأنيقا، مبتسما ومتواضعا.

فنان اجتمع الكل على حبه…
لن يختلف في ذكر محاسنه الكثير من فناني الجيل الحالي وفناني جيله، فقد علق الكثير منهم عبر منصات التواصل على اختلافها، بعبارات للحزن وأخرى للفقد، بعدما نشر خبر وفاته، بل فيهم من عبر بأن الشوق إليه لن يطول ويطرق بابهم، فلم يكن الفنان فحسب، بل كان السند في الكثير من المحطات، ولم تربطه بهم علاقات عمل فحسب، بل علاقة أخوة وأخرى إنسانية، لم يكتف فقط بالجلوس معهم خلال الأعمال والشغل، بل فيهم من زارهم وواساهم في مرضهم، أو تنقل إليهم وسأل عن أحوالهم. وهذا هو الفنان الحقيقي، الذي سكن الإنسان أحمد أقومي، جعل منه مثلا حيا عن الوفاء للفن ولصناعه، فلا تعجب اليوم، حينما اجتمع الكل على حبه، والحزن لرحيله، بالرغم من أنه ترك من الإرث الثقافي ما يجعل اسمه خالدا في ذاكرة الثقافة إلى الأبد، ويبقى من بين الفنانين الذين رفعوا سقف الفن الجزائري عاليا، لسنوات طويلة، وسوف يبقى كذلك، حتى بعد رحيله.