الأوراس بين تفجير الثورة وتحديات التدوين
الأوراس كان قلب الثورة الجزائرية، موطن قادة مثل مصطفى بن بولعيد والحاج لخضر وسي الحواس وغيرهم، من الذين قادوا العمليات الأولى ضد الاستعمار الفرنسي. نجاحهم في تفجير الثورة يعود إلى عدة عوامل: الطبيعة الجغرافية الوعرة التي جعلت الأوراس حصنًا طبيعيًّا، والشجاعة الكبيرة التي تميز بها سكان المنطقة، فضلًا عن شبكة التضامن الاجتماعي التي دعمت المجاهدين في البداية.
لكن عندما نتحدث عن الفشل في التدوين خلال الثورة، يمكن أن نعزو هذا إلى عدة عوامل: منها الثقافة الشفوية، فمنطقة الأوراس كانت تعتمد بشكل كبير على النقل الشفوي للتاريخ. في ظل الاحتلال الفرنسي كان التعليم محدودًا في تلك المناطق الريفية، مما أدى إلى ضعف في القدرة على كتابة وتوثيق الأحداث كما كانت تتم في المدن الكبرى مثل العاصمة الجزائر. المجاهدون كانوا يركزون بشكل أساسي على النضال المسلح، وليس التدوين. وهناك القليل منهم تمكّن من تدوين بعض الأحداث لكنهم قلة. كما أن الظروف الصعبة خلال الثورة: المجاهدون كانوا في حالة فرار دائم من القوات الفرنسية، ما جعل التدوين أمرًا ثانويًا. كان التركيز على البقاء والتخطيط للعمليات العسكرية، ما جعل الكتابة والتوثيق تحديًا كبيرًا في تلك اللحظات. وفي السياق ذاته كانت الأولوية للبقاء على قيد الحياة، إذ كانت الثورة تدور في ظل ظروف قاسية للغاية، سواء من الناحية الجغرافية أو العسكرية، فالمجاهدون كانوا في صراع دائم من أجل البقاء. ولذا لم يكن لديهم الفرصة ولا الإمكانات لكتابة وتوثيق كل ما كانوا يمرون به. بالإضافة إلى ذلك الخوف من وقوع كتاباتهم في أيدي العدو
ورغم هذا القصور، هناك بعض الجهود التي حاولت سد هذا الفراغ من خلال الكتب والمذكرات التي نُشرت بعد الاستقلال، منها كتب ومذكرات بعض قادة الثورة من القادة الأوراسيين أو من شاركوا في الثورة نشروا شهاداتهم ومذكراتهم. ونجد من بينها كتب: مصطفى بن بولعيد (ولو كانت محدودة) وقبسات الحاج لخضر، وكتاب حول مصطفى بن بولعيد للكاتب سليمان بارور، وإصدار حول سي الحواس. وهناك كتب عديدة كتبها المجاهد فرحات نجاحى، وكتب حول عباس لغرور وشيحاني بشير، مذكرات مصطفى بن النوي، وكتاب حول الشهيد برتلة وغيرهم. بالإضافة إلى مجموعة كتب صدرت في الآونة الأخيرة لا يمكن ذكرها هنا كلها.
يمكن القول إن الثورة الجزائرية ثورة شعبية وطنية شملت كل البلاد تستحق أن تُكتب من كل جوانبها، لذا علينا أن نهتم بتاريخنا الوطني والمناطقى، لأن كتابة تاريخ المنطقة يصب في التاريخ الوطني ككل. وربما منطقة الأوراس لها رمزيتها الخاصة كونها مهد ثورة نوفمبر الخالدة التي كانت بداية التحرر والانعتاق. إنّ الاهتمام بالتاريخ اليوم ضروري لأننا نعيش حملة تشكيك تقودها مخابر أجنبية مهمتها ضرب مرجعياتنا التاريخية.
يضاف إلى ذلك أبحاث أكاديمية، إذ نُشرت العديد من الدراسات الأكاديمية حول دور الأوراس في الثورة. وبعض الجامعات الجزائرية عملت على تنظيم ندوات حول الثورة، والباحثون جمعوا شهادات من المجاهدين الذين عاشوا تلك الفترة، مثل مركز الدراسات في الحركة الوطنية والثورة الجزائرية. ونجد أيضا مقالات ومجلات تاريخية، إذ نشر العديد من الباحثين مقالات في المجلات الأكاديمية والتاريخية عن دور الأوراس في الثورة. وعلى سبيل المثال، مجلة “ميموريا” وغيرها كانت تخصص أعدادًا لتسليط الضوء على المناطق الريفية التي قادت الثورة. ونذكر أيضا الندوات والمؤتمرات، فهناك ندوات دورية تنظم في الجزائر حول الثورة، يجري فيها جمع شهادات من مجاهدين وباحثين متخصصين لتوثيق الجانب التاريخي للأوراس.
من المهم أن ندرك أن الأوراس كان وسيظل جزءًا محوريًا من ذاكرة الثورة الجزائرية، ولكن تدارك هذا النقص في التوثيق يتطلب خطوات عملية مدروسة، مثل جمع الشهادات الشفوية وتحويلها إلى نصوص مكتوبة، إذ أن الكثير من المجاهدين الذين عايشوا تلك الفترة لا يزالون على قيد الحياة. ومن الضروري جمع شهاداتهم وتنظيمها في كتب توثيقية. وهناك بعض المهتمين يقومون حاليا بهده المهمة رغم قلتهم. كما يجب تشجيع الباحثين والمؤرخين على التركيز على منطقة الأوراس، فالجامعات الجزائرية بحاجة إلى دعم الأبحاث حول هذا الجانب، مع تخصيص ميزانيات ومشاريع بحثية لتوثيق تاريخ الثورة في تلك المنطقة. ومن اللازم إدخال مواضيع الثورة في المناهج الدراسية حتى تصبح الثورة في الأوراس جزءًا أساسيًّا من المناهج التعليمية، بدءًا من المدارس الابتدائية وصولًا إلى الجامعات، وذلك من أجل نشر الوعي حول دور هذه المنطقة. وكذلك الاستثمار في الروايات السينمائية والمسرحية: إنتاج أفلام وثائقية وسينمائية عن الثورة في الأوراس يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتوثيق التاريخ وجعله أكثر جاذبية للأجيال الجديدة. الأفلام والمسرحيات يمكنها تسليط الضوء على الشخصيات والأحداث المهمة في تاريخ الأوراس. مع الحرص على تشجيع الكتابة من المجاهدين أنفسهم. وعلى الذين عاشوا الثورة أن يستمروا في كتابة مذكراتهم ونشرها، بالتعاون مع مؤسسات تهتم بتوثيق هذه المرحلة التاريخية.
وفي الختام، يمكن القول إن الثورة الجزائرية ثورة شعبية وطنية شملت كل البلاد تستحق أن تُكتب من كل جوانبها، لذا علينا أن نهتم بتاريخنا الوطني والمناطقى، لأن كتابة تاريخ المنطقة يصب في التاريخ الوطني ككل. وربما منطقة الأوراس لها رمزيتها الخاصة كونها مهد ثورة نوفمبر الخالدة التي كانت بداية التحرر والانعتاق. إنّ الاهتمام بالتاريخ اليوم ضروري لأننا نعيش حملة تشكيك تقودها مخابر أجنبية مهمتها ضرب مرجعياتنا التاريخية.