العالم
عضو الحوار المهيكل المنبثق عن بعثة الأمم المتحدة أشرف بودوارة لـ"الشروق":

الأولوية اليوم لإنقاذ الدولة الليبية وتوحيد المؤسسات

عبد السلام سكية
  • 106
  • 0
ح.م
عضو الحوار المهيكل المنبثق عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أشرف بودوارة

في ظل استمرار الانقسام السياسي وتعثر المسارات الانتخابية في ليبيا، تتواصل النقاشات حول سبل الخروج من الأزمة وبناء توافق وطني يقود إلى الاستقرار.

وفي هذا الحوار مع “الشروق”، يتحدث عضو الحوار المهيكل المنبثق عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أشرف بودوارة عن رؤيته لمستقبل المشهد الليبي، وموقفه من الأطروحات السياسية المطروحة، بما فيها فكرة الملكية الدستورية، إضافة إلى آفاق المصالحة الوطنية ودور المؤسسات والقبائل والشباب في إعادة بناء الدولة الليبية.

كيف تقيمون المشهد السياسي الحالي في ليبيا في ظل استمرار الانقسام المؤسساتي وتعثر مسار الانتخابات؟
المشهد السياسي الليبي لا يزال يعاني من حالة انقسام مؤسساتي وتعثر في إنجاز الاستحقاقات الوطنية، نتيجة غياب التوافق الحقيقي وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية. ومن خلال مشاركتي في الحوار المهيكل التابع للأمم المتحدة، أرى أن هناك إدراكا متزايدا لدى كثير من الأطراف بأن استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلا للاستمرار، وأن ليبيا بحاجة إلى سلطة موحدة ومسار واضح يقود إلى الاستقرار والانتخابات.

ما هي أبرز الأسباب التي حالت دون تحقيق استقرار دائم بعد سنوات من الصراع السياسي والأمني؟
أبرز الأسباب تتمثل في استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي، وغياب الثقة بين الأطراف، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، إضافة إلى التدخلات الخارجية وتغليب المصالح الشخصية والفئوية على حساب مشروع الدولة الوطنية الجامع.

أنتم من دعاة عودة النظام الملكي الدستوري، ما الذي يجعل هذا الطرح مناسبًا لليبيا اليوم؟
عندما طُرح موضوع الملكية الدستورية، كان يُنظر إليه باعتباره أحد الحلول الوطنية الممكنة للخروج من حالة الانقسام، لما يحمله من رمزية تاريخية مرتبطة بفترة تأسيس الدولة الليبية ووحدتها الدستورية، إضافة إلى كونه إطارا يهدف إلى تقليل الصراع على السلطة وبناء حالة من التوازن والاستقرار.
لكن في المقابل، هناك اليوم أيضا نقاشات وتحركات سياسية مختلفة تتجه نحو البحث عن حلول عملية وواقعية للمرحلة الحالية، من بينها طرح أسماء وشخصيات وطنية لتولي قيادة السلطة التنفيذية الجديدة بشكل مؤقت، تكون مهمتها الأساسية توحيد المؤسسات وتهيئة البلاد للوصول إلى انتخابات وطنية شاملة.
وفي هذا السياق، هناك تحركات لعدد من أعضاء مجلسي النواب والدولة، وشخصيات سياسية وتركيبات اجتماعية في الشرق والغرب والجنوب، لطرح ناصر صلاح منصور صفي الدين الشريف السنوسي لرئاسة السلطة التنفيذية الجديدة تمهيدا للانتخابات الوطنية الشاملة، باعتباره طرحا منفصلا عن أي مشروع ملكي، ويستند إلى فكرة البحث عن شخصية وطنية قوية ومتوازنة تمتلك إرثا تاريخيا وحضورا اجتماعيا وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، إلى جانب ما تتمتع به من هدوء واتزان ورؤية قادرة على إدارة مرحلة حساسة تحتاج إلى شخصية تجمع ولا تفرق، وتقود نحو الاستقرار والاستحقاق الانتخابي بعيداً عن الاستقطاب.

كيف يمكن للنظام الملكي أن يسهم، برأيكم، في توحيد الليبيين وإنهاء حالة الاستقطاب؟
الفكرة الأساسية لم تكن مرتبطة بالأشخاص بقدر ما كانت مرتبطة بالبحث عن إطار وطني جامع ومحايد، يمكن أن يخفف من حدة الاستقطاب السياسي والصراع على السلطة، ويساهم في إعادة بناء الثقة بين الليبيين، ضمن دولة تقوم على الدستور والقانون والمؤسسات.
لكن الواقع الحالي يؤكد أن أي مشروع سياسي لن ينجح إلا إذا ارتبط بقدرة حقيقية على إدارة المرحلة وتحقيق التوافق وتوحيد المؤسسات، لذلك أصبحت الأولوية اليوم لدى كثير من الليبيين هي البحث عن حلول واقعية وعملية تنهي الانقسام وتقود إلى الاستقرار والانتخابات.

هل تتقبل فكرة العودة إلى دستور الاستقلال والملكية الدستورية؟
أعتقد أن الشارع الليبي اليوم منشغل أكثر بالبحث عن الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية وإنهاء حالة الانقسام، أكثر من انشغاله بشكل النظام السياسي بحد ذاته.
ولهذا أرى أن أي مشروع، سواء كان ملكيا أو جمهوريا أو غيره، لن ينجح إلا إذا حظي بتوافق وطني واسع وقبول شعبي حقيقي، وكان قادرا على تقديم حلول عملية للأزمة الليبية.
الأولوية الآن يجب أن تكون لبناء الدولة، وتوحيد المؤسسات، وتهيئة البلاد لانتخابات وطنية تنهي المراحل المؤقتة، وتفتح الطريق أمام استقرار دائم يحقق تطلعات الليبيين.

هل تعتقدون أن إجراء الانتخابات وحده كافٍ لحل الأزمة، أم أن ليبيا تحتاج أولًا إلى توافق دستوري شامل؟
الانتخابات مهمة، لكنها وحدها لا تكفي إذا لم تُبنَ على قاعدة دستورية وتوافق سياسي يضمن احترام النتائج وقبول الجميع بالعملية الديمقراطية. المطلوب هو الجمع بين التوافق الوطني والمسار الانتخابي ضمن إطار واضح.

ما هي رسالتكم إلى القوى السياسية التي ترفض فكرة العودة إلى الملكية وتتمسك بالمسارات الحالية؟

نحن نؤمن أن مستقبل ليبيا يجب أن يُبنى عبر الحوار والتوافق، والأولوية اليوم ليست لشكل النظام بقدر ما هي لإنقاذ الدولة وتوحيد المؤسسات والوصول إلى انتخابات واستقرار.

ما هي الآليات العملية التي تقترحونها لتحقيق مصالحة وطنية شاملة بين مختلف الأطراف الليبية؟
تحقيق المصالحة الوطنية يتطلب إطلاق حوار وطني شامل يقوم على العدالة والشفافية وعدم الإقصاء، مع تفعيل مسارات العدالة الانتقالية، وتعزيز دور القيادات الاجتماعية والقبلية، إلى جانب بناء مؤسسات موحدة قادرة على فرض القانون وحماية التوافقات الوطنية.

كيف يمكن معالجة ملف المليشيات والسلاح خارج إطار الدولة ضمن مشروع بناء السلم والاستقرار؟
هذا الملف يحتاج إلى مقاربة واقعية ومتدرجة، تبدأ بتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وإطلاق برامج دمج وتأهيل، مع تعزيز سلطة الدولة وسيادة القانون. فلا يمكن تحقيق استقرار دائم في ظل وجود السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية.

ما هي الضمانات التي يمكن أن تمنع عودة البلاد إلى مربع العنف والانقسام مجددًا؟
الضمانات الحقيقية تتمثل في وجود مؤسسات موحدة، ودستور واضح، وقضاء مستقل، ومصالحة وطنية حقيقية، إضافة إلى تعزيز سلطة الدولة وسيادة القانون، ووجود إرادة سياسية تضع مصلحة ليبيا فوق كل اعتبار.

ما هو دور القبائل والنخب الاجتماعية في دعم مشروع المصالحة الوطنية وإعادة بناء الدولة؟
القبائل والنخب الاجتماعية تمثل مكونا أساسيا في المجتمع الليبي، ويمكن أن تلعب دورا مهما في تقريب وجهات النظر وتعزيز التهدئة الاجتماعية ودعم أي مشروع وطني جامع، خاصة في ظل الطبيعة الاجتماعية الخاصة للمجتمع الليبي.

كيف تنظرون إلى دور المجتمع الدولي في الأزمة الليبية؟ وهل ساهم في الحل أم عمّق الأزمة؟
المجتمع الدولي لعب أدوارا متباينة، فبعض الجهود ساهمت في تقريب وجهات النظر ودعم المسارات السياسية، بينما ساهم تضارب المصالح الدولية أحياناً في تعقيد الأزمة. لكن في النهاية، الحل الحقيقي يجب أن يبقى نابعا من إرادة الليبيين.

ما هو تصوركم لمستقبل العلاقات الليبية مع دول الجوار، خاصة الجزائر وتونس ومصر، في حال تحقق الاستقرار السياسي؟
استقرار ليبيا سينعكس بشكل إيجابي على المنطقة بالكامل، وسيفتح المجال أمام تعاون أوسع مع دول الجوار في الملفات الأمنية والاقتصادية والتنموية، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة ويعزز الاستقرار.

كيف يمكن ضمان توزيع عادل للثروة النفطية بما يعزز الاستقرار ويمنع تجدد الصراع؟
بالتوزيع العادل بين الأقاليم: برقة وطرابلس وفزان، من خلال نواب رئيس الحكومة عن الأقاليم، ومكاتب تنفيذية في الأقاليم.

ما هي رسالتكم للشباب الليبي الذي نشأ وسط الأزمات وفقد الثقة في الطبقة السياسية؟
رسالتي للشباب الليبي هي ألا يفقدوا الأمل في وطنهم، لأن ليبيا تستحق مستقبلاً أفضل. التغيير الحقيقي يبدأ من وعي الشباب ومشاركتهم في بناء الدولة والدفاع عن الاستقرار والمؤسسات، بعيدا عن اليأس والانقسام وخطابات الكراهية.

مقالات ذات صلة