الرأي

الأيام “الخوالي”

مروان ناصح
  • 3464
  • 1

عندما كُلِّفتُ بتسيير “دائرة النصوص الدرامية” في التلفزيون السوري، كانت لي فكرة – لم ألبث أن اكتشفت بعد سنوات طويلة أنها مجرد “وهم” كبير- هي أن المواطن دافع الضرائب الذي يموّل إنتاج الأعمال الدرامية في القطاع العام، ينبغي له أن ينال عند “الفرجة” عليها قسطاً من المعرفة، وتذوق الجمال، واتساع الأفق، لا “المراوحة” في المكان تحت شعار بريء جداً، هو “التسلية” التي لا تخشى الدولة في هدر الكثير من الأموال عليها لومة لائم!! ولكيلا أغرق في التفاصيل التي تسكنها الشياطين، سألخص تجربتي في تلك الدائرة بمفارقة ساخرة، لكنها حقيقية: لقد كُلِّفتُ بتلك المهمة، لأنني “مثقف” حسب رأي من كلفني بها!!.. وهربت منها بجلدي، بعد تكاثر النصوص الدرامية “المرفوضة”، وتعالي الاحتجاجات من أصحابها، ومن كل مفاصل الإدارة تضامناً معهم، وإصرارهم جميعاً على اتهامي بأنني “مثقف” أيضاً!! فقد كانت كلمة “مثقف” في المرحلة الأولى ميزة يعتد بها ويفخر، وأصبحت في المرحلة الثانية “لعنة” ينبغي الخلاص من تبعاتها بأي ثمن..!!

 

وفي تلك الأيام من أواخر التسعينيات تقدّم المخرج بسام الملّا بمسلسله “الخوالي” لإنتاجه في التلفزيون السوري، إذ كان القطاع الخاص يومها مايزال يخطو بحذر على مدارج الإنتاج الضخم ذي الكلفة العالية.. وكانت لبسام الملّا سمعته الباهرة، والسبب نجاحه في إخراج مسلسل “أيام شامية”.. وكانت الإدارة بكاملها واثقة من نجاحه مسبقاً في أيّ عمل، وكان وزير الإعلام يومئذ أول هؤلاء الواثقين بالملّا، والداعمين لإنتاج “الخوالي” لأسباب خاصة وعامة لا يحق لأحد التساؤل عنها!!

ولكن نص الخوالي عند قراءته جاء مخيبا للآمال!! وقد وضّحت لبسام الملّا في جلسة حميمية حضرها النجم “رشيد عساف” جوانب عديدة من وجوه النقص والضعف التي يشكو منها ذلك النص.. وانتهت تلك الجلسة بتقارب شديد على محور الصداقة والمودة بيننا.. وتباعد كبير على محور القناعة والقرار!! 

ووجدت نفسي بعد أيام من تلك الجلسة مشاركا في اجتماع كبير يترأسه الوزير شخصيا، ويحضره فنانون وبرامجيون وبعض المفاصل الإدارية في التلفزيون، للبحث في شؤون اعتيادية.. لكنني فوجئت بالسيد الوزير – ودون سابق إنذار – يسألني بلهجة اتهامية استنكارية حادة: 

  لماذا رفضتم الموافقة على مسلسل “الخوالي” مع أن الأستاذ بسام الملا معجب به جدا..؟!

فاتجهت عيناي غريزياً نحو بسام الملّا الجالس قريباً من الوزير.. فأكد لي بنظرة حاسمة أنه “بريء”..!! ولكن لهجة الوزير الحادة اللائمة، بل المُقرِّعة كانت تنطق بغير ذلك!! وحاصرتني عيون الحاضرين بنظرات فضولية مزعجة، ولم تخلُ بعض تلك العيون من إشفاق يستفز الأعصاب، لكن ذاكرتي المستيقظة دائما – في تلك الأيام – هي التي اسعفتني برد مرح ساخر استطاع أن يبدد كل ما في نفسي، وما في تلك اللحظات الحرجة، من توتر عال، فقلت:

أنا في موقفٍ أجاد الشاعر جميل صدقي الزهاوي تصويره، إذ قال :

إذا كذبتُ فروحي            تعضُني بالملامة

وإن تكلمتُ صدقاً            قامت عليَّ القيامة!!         

وضحك الحاضرون!! وانطلقت بالحديث عن الأسباب الموجبة للرفض.. لكن الوزير لم يتوقف عند أي منها “مقتنعا” إلا حين قلت:

– .. ثم إن البطل المدعو “نصَّار” لم يكن منذ البداية سوى قاطع طريق مجرم.. وظل كذلك إلى نهاية المسلسل.. فأي بطل هذا..؟! وأي بطولة!!

ورحت أروي لهم تاريخ حياة هذه الشخصية الدرامية كما وردت في النص…

ومرت الأزمة بسلام، وتجاوزها المجتمعون إلى سواها، دون أي تعليق، حتى من المخرج بسام الملّا نفسه الذي لم يتخل عن “الخوالي”، وأخرجه – بعد ذلك – لصالح القطاع الخاص عام 2000 مع بعض التعديلات. وأشهد أنه حقق نجاحاً جماهيرياً، لكنه دون النجاح الذي حصده مسلسله “أيام شامية” بكثير، لكنه تميز فنياً بالمشاهد التي أعادت توثيق رحلة الحج الشامي إلى الديار المقدسة، بالاعتماد على كتاب “حوادث دمشق اليومية” الذي كتبه البديري الحلاق في أواسط القرن الثامن عشر.. ومما يذكر عن “الخوالي” أن الحكومة التركية احتجت عليه بشدة، لما تضمنه من سخرية بالحكام الأتراك في دمشق، وتصوير للوحشية غير المقبولة التي كانوا يمارسونها على الشعب السوري أيام الحكم العثماني، مما اضطر التلفزيون السوري إلى إعادة “مونتاج” [تركيب] حلقاته يوماً بيوم – قبل العرض – لاستئصال ما يخشى اعتراض الأتراك عليه من اللقطات، غير أن المفارقة “الهزلية” أن القنوات الفضائية كانت قد عمّت الدنيا بخيرها وشرّها، فكان المشاهدون يتابعون حلقات المسلسل كاملة على عدد منها، ويتضاحكون وهم يرونه “ناقصا” على الفضائية السورية!!!!  

 

مقالات ذات صلة