الجزائر
نداءات لتعزيز الرقابة على هذا الخطر المتصاعد

الإباحية الرقمية تُهدد المستقبل العاطفي والجنسي للأطفال

وهيبة. س
  • 245
  • 0

أصبحت التكنولوجيا جزءا أساسيا من حياة الأطفال في وقتنا الحاضر، إذ تحيط بهم الهواتف الذكية واللوحات الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي منذ سنواتهم الأولى، فرغم ما توفره هذه الوسائل من فرص للتعلم والترفيه، فإن الإفراط في استخدامها يثير مخاوف متزايدة بشأن تأثيرها على براءة الأطفال ونموهم النفسي والاجتماعي.

وإذا كانت شبكة الإنترنت تتيح الوصول إلى كم هائل من المعلومات والمحتويات التي قد لا تكون مناسبة لأعمار الأطفال، فإن هذا التعرض المبكر لمشاهد ومحتويات أو أفكار تفوق مستوى نضجهم قد يدفعهم إلى فقدان جانب من عفويتهم وبراءتهم، فبعض المختصين بدؤوا يحذرون من إدمان الإباحية، الذي لا يقل تأثيره، بحسبهم، عن تأثير إدمان الهرويين، ذلك بالنظر إلى عوامل نفسية وصحية تنتهي بتغيير طبيعة الإنسان وعلاقاته الجنسية والعاطفية.

وفي السياق، قال عبد الرحمان عرعار، رئيس الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل “ندى”، لـ”الشروق”، إن شريحة الطفولة كانت في الماضي، تقضي معظم الأوقات في اللعب واستكشاف العالم من حولها، وتنمية الخيال من خلال الأنشطة البسيطة، في حين اليوم، باتت الشاشات تحتل جزءا كبيرا من يوميات الطفل، ما أدى إلى تراجع التفاعل المباشر مع الأسرة والأصدقاء، موضحا أن الكثير من الأطفال الذين يهربون من البيت العائلية، أو يقعون ضحايا لعدة حوادث وأمور أخرى، هم في الحقيقة ضحايا الانشغال المستمر بالألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل التي سببت لهم العزلة الاجتماعية وضعف مهارات التواصل الواقعي.

عبد الرحمان عرعار: استقبلنا أطفالا ضحايا المحتويات الإباحية

وأكد أن شبكة “ندى”، تقوم بعدة حملات حول تأثير التكنولوجيا على الصحة النفسية للأطفال، خاصة عندما تتحول إلى إدمان يحد من ممارسة الرياضة والأنشطة الإبداعية، في الوقت الذي لا يمكن، بحسبه، اعتبار التكنولوجيا شرا مطلقا، إذ يستمر السعي إلى تنمية وعي الطفل وتدريبه على أنها أداة نافعة تستخدم بشكل متوازن وتحت إشراف الأسرة والمدرسة، موضحا أن التطبيقات التعليمية والبرامج التفاعلية يمكن أن تسهم في تنمية المعرفة والمهارات لدى الأطفال.

حالات لاستغلال أطفال في مشاهد إباحية عالجتها “ندى”

وكشف عبد الرحمان عرعار، أن الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل، سجلت عدة حالات لأطفال ضحايا التنمر وأطفال استغلوا لتصوير مشاهد إباحية، أو كانوا وسيلة اتصال بمشبوهين، حاولوا استغلالهم في أمور جنسية، وفيدوهات إباحية، حيث اتخذت الشبكة كل الإجراءات القانونية والاجتماعية والنفسية لعلاج مثل هذه الحالات ووضع حد للأطراف المتهمة ومحو الآثار المتراكمة لدى الطفل الصحية عن مثل هذه التصرفات الإجرامية.

البروفيسور خياطي: إدمان الإباحية يهدد بالعقم والمثلية والعزوف عن الزواج

وقال عرعار، إن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها، فالحفاظ على براءة الأطفال ونموهم السليم، يجب توجيههم إلى الاستخدام الواعي للتقنيات الحديثة، وتحديد أوقات مناسبة لاستعمال الهاتف الذكي أو اللوح الإلكتروني، وتشجيعهم على القراءة واللعب والتفاعل الاجتماعي، معتبرا التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية هو السبيل لحماية الطفولة من الآثار السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي.

إدمان الإباحية خطر صامت يهدد الطفولة… بعد المخدرات!

ومن جانبه، أفاد البروفسور مصطفى خياطي، رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث العلمي” فورام”، أن الانتشار الواسع للأجهزة المتصلة بالإنترنت أدى إلى سهولة الوصول إلى المحتوى الإباحي، سواء عن قصد أو عن طريق المصادفة، فقد يجد العديد من الأطفال أنفسهم أمام هذا المحتوى في سن مبكرة، قبل أن يمتلكوا النضج الكافي لفهمه أو التعامل معه بصورة صحية، ففي عصر الهواتف الذكية والإنترنت السريع، أصبح القصر أكثر عرضة للوصول إلى محتوى غير مناسب لأعمارهم، ومن بين أخطر هذه الظواهر التعرض المتكرر للمواد الإباحية، الذي قد يتطور لدى بعضهم إلى سلوك إدماني يؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي والتعليمي.

وأكد البروفسور خياطي، أن إدمان المواد الإباحية عند الطفل أو المراهق يمكن أن يؤثر بشكل أساسي على الدماغ والجهاز العصبي والسلوك النفسي أكثر من تأثيره المباشر على الأعضاء التناسلية نفسها، موضحا أن الدماغ يكون خلال فترة الطفولة والمراهقة في مرحلة نمو وتشكل مستمر، لذلك قد يؤدي التعرض المتكرر للإباحية إلى زيادة تنشيط نظام المكافأة في الدماغ المرتبط بمادة الدوبامين، إذ أن التعود التدريجي على المحتوى المثير، يمكن أن يدفع بحسب خياطي، إلى البحث عن محتوى أكثر تطرفا أو غرابة للحصول على نفس مستوى الإثارة.

وقال رئيس هيئة “فورام”، إن المخ يفرز عند التفرج على مشاهد إباحية، كمية أكثر مما يفرزها عند تعاطي المخدرات، فمع وجود الهاتف الذكي، يتحول الشخص الذي يطلع على الإباحية إلى مدمن، خاصة أن هناك ألعابا إلكترونية يلعبها الأطفال تستعمل تقنية “الشات”، ويمكن أن تخفي وراءها ألعابا جنسية إباحية، تسمح للطرف الآخر بأن يتواصل مع الضحية ويدعوه إلى منصات تصطاد الأطفال من أجل زيادة عدد زوارها، وبأساليب الاعتماد على الفضول وحب الاكتشاف.

وبحسب البروفسور خياطي، فإن هناك منصات إلكترونية تبدأ الاستدراج للإباحية من خلال تسريبات غريبة وعناوين صادمة أو تصرفات شاذة لبعض الفنانين والفنانات، في حين إن هذه الطرق المقبولة في البداية، تزرع الفضول الجنسي وتشجع تطوير الخوارزميات لاصطياد أكثر للضحايا الذين يبدؤون في مرحلة طلب ما هو أعنف وأكثر غرابة.

وأوضح المتحدث أن الاستدراج نحو الإباحية دون الاهتمام بالسن، سواء بمنتجات مشفرة إباحية أم مشاهد جنسية، وبخطة مدروسة، ومع التكرار والمشاهدة لأكثر من مرة تؤدي إلى الإدمان الحقيقي للإباحية والغرق فيها.

وأشار في السياق، إلى أن نتائج ذلك خطير إذ يدخل المراهق في دائرة العادة السرية، وطلب التفرج على ما هو مختلف عما كان يشاهده من قبل، ليصل التأثير على الدماغ إلى حال أشبه بإدمان الهيروين، بحيث بعض المواقع تعرقل كيمياء المخ، لاسيما أن بعض الدراسات العلمية أثبتت أن 30 بالمائة من حالات العجز الجنسي سنويا سببها الإدمان على الإباحية.

وأوضح البروفسور مصطفى خياطي، بصفته مختص في طب الأطفال، أن المدمن على الإباحية لا يستطيع دماغه إفراز نفس كمية الدوبامين التي يفرزها في مشاهدة أفلام إباحية أكثر عنفا عندما يتعلق الأمر بالعلاقة الجنسية العادية، وهو ما يجعله يبحث عن الشذوذ، خاصة عند شعوره بالفتور، وقد يؤدي ذلك إلى عجز جنسي جراء تشوهات عنيفة في الحيوانات المنوية واحتقان في الأعضاء الجنسية، واضطراب في الهرمونات التي تؤدي إلى بروز منطقة الثدي عند الذكور.

تصورات “خاطئة” عن العلاقات الجنسية والعاطفية تهدد أجيال الرقمنة

وحول موضوع إدمان الإباحية عند القصر، قال الدكتور مسعود بن حليمة، مختص في علم النفس العيادي، إن التعرض المستمر للمواد الإباحية يمكن أن يؤدي إلى مجموعة من الآثار النفسية، بينها ضعف التركيز والانتباه لدى بعض مدمنيها، خاصة إذا أصبح الاستخدام قهريا ويستهلك وقتا كبير، إذ يمكن زيادة احتمالية القلق أو الشعور بالذنب أو العزلة الاجتماعية عند بعض الأطفال والمراهقين، فتتكون لديهم تصورات غير واقعية عن العلاقات الجنسية والعاطفية، مع وجود تأثير على الذكورة والهرمونات.

وأكد أن المخاطر النفسية لمشاهدة المواقع الإباحية، يمكن أن تؤدي أيضا، إلى الشعور بالذنب لدى بعض الأطفال الذين يصبح لديهم تشوه فهم العلاقات الإنسانية والعاطفية، بحيث تخلق عندهم توقعات غير واقعية حول الجسد والعلاقات.

ويعاني هؤلاء بحسب الدكتور بن حليمة، من ضعف التركيز والانشغال الدائم بالمحتوى الإباحية، مع احتمالية تطور سلوكيات قهرية أو إدمانية لدى البعض.

ويرى أن هذه الآثار النفسية تنعكس على الجانب الاجتماعي والتربوي، والحياة اليومية للمراهق، حيث يسجل تراجع في الأداء الدراسي وضعف التركيز، والانعزال الاجتماعي والابتعاد عن الأنشطة المفيدة مع صعوبة بناء علاقات صحية مع الأصدقاء وزملاء الدراسة.

وأفاد بأن المراهق الذي يدمن الاطلاع على المشاهد الإباحية، تزيد لديه احتمالات تعرضه للتنمر أو الاستغلال الإلكتروني، علاوة عن تدهور الثقة بينه وبين أسرته إذا أصبحت المسألة مصدراً للخوف أو السرية، إذ دعا بن حليمة، إلى بناء علاقة ثقة تسمح للطفل بالتحدث عما يراه على الإنترنت دون خوف، مع تعليمه الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، واستخدام أدوات الرقابة الأبوية المناسبة لأعمار الأطفال. كما طالب بتعزيز الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية وإدراج التوعية الرقمية ضمن البرامج التربوية والتعليم.

وقال إن الطفل الذي يتعرض لمحتوى إباحي يحتاج إلى الدعم والتوعية أكثر من اللوم، وإلى توفير بيئة آمنة تساعده على تطوير سلوك رقمي صحي ومتوازن.

مقالات ذات صلة