الإخوان المسلمون من السرّية.. إلى السرّية
الحكم الصادر في حق جماعة الإخوان نهار أمس الإثنين بحظر نشاطهم ومصادرة أموالهم ومقراتهم لم يعجب الكثير من الإنقلابيين، ومنهم جماعة تمرد التي طالبت بإلغاء وجودهم نهائيا من الحياة السياسية الاجتماعية لتعود قضيتهم إلى الصفر، أي إلى السرّية التي عاشت فيها الجماعة منذ عام 1948 عندما قرّر رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت النقراشي باشا، حلّ الجماعة في آخر سنة من حياة مؤسسها الراحل حسن البنا، ومصادرة أموالها وإدخال الكثير من رجالاتها في السجون، وهو ما جعل الجماعة تتقوى وتفقد الدولة المصرية في نهاية الأربعينات القدرة على السيطرة عليها، خاصة بعد اغتيال مرشدها الأول ومؤسسها حسن البنا.
وتقوّت الجماعة ليس في مصر وإنما أيضا في سوريا والأردن، لتجد صدى لها من باكستان إلى الجزائر، والانقلاب على أول حكم إخواني واعتقال أول رئيس إخواني والقتل والسجن، الذي طال الكثير من الإخوانيين، لا يبدو حلا، لأن الوسائل التي صار بإمكان جماعة الإخوان استعمالها في الزمن الحالي أكثر تأثيرا من التي كان يستعملها حسن البنا على مدار 21 عاما، والتي استعملها من خلفوه كمرشدين للجماعة، ورغم محاولات الغرب وأعداء الجماعة إلصاق العديد من التهم وأشهرها أن المجاعة تم تأسيسها بواسطة الجاسوس البريطاني الشهير مستر همغر .
إلا أن كل ما يثار من إشاعات حول الجماعة، وآخرها ما يروّج له الإعلام والسلطة الانقلابية في مصر يزيد من قوتها، وغالب الظن أن الولايات المتحدة والسلطة الانقلابية في مصر يتفقان على ضرورة القضاء على الجماعة، بعد منحها فسحة الحكم، وبعد عمليات التشويه الكبرى، ولكنهما يختلفان في الطريقة، حيث تريد الولايات المتحدة أن تواصل التشويه والإخوان في الحكم بتوريطهم في الكثير من قضايا الفساد وإفقار الشعب المصري، بينما يرى الانقلابيون إلصاق الإرهاب بالجماعة ومحاولة تصفية قياداتها بمختلف الطرق العسكرية القمعية .
وتكمن صعوبة القضاء على جماعة الإخوان المسلمين، لأنها حركة بدأت من الأول بإبعاد إجتماعية وسياسية وهي أول حركة في التاريخ الإسلامي، وكل أسباب ظهورها مازالت ماثلة لحد الآن، وهي إعادة الخلافة الإسلامية، لأن الجماعة ظهرت أربع سنوات بعد انهيار الدولة العثمانية في عام 1924، ولأجل صدّ الحركات العلمانية المنتشرة بكثرة من زمن كمال أتاتورك إلى غاية اليوم، ولأجل رد الاحتلال الأجنبي من زمن الاحتلال البريطاني لمصر ومختلف الدول العربية والإسلامية وهو الاحتلال المتواصل في كل بلاد المسلمين من أفغانستان إلى العراق، وطبعا فلسطين التي كانت دائما همّ الجماعة التي شاركت بقوة باعتراف الأنظمة العربية في حرب 1948، ونهاية بقضية حماس التي ارتبطت بجماعة الإخوان.
وتؤكد كل التقارير والدراسات، أن حلّ الجماعة سيمنحها القوة، خاصة أن العالم بأسره يُجمع على أنها ظلمت بعد أن حققت نصرا شعبيا، وبيدها الآن وسائل كثيرة للاتصال بمختلف الشرائح من داخل وخارج مصر، مثل الفضائيات وخاصة وسائل الاتصال الإجتماعي من الفايس بوك إلى تويتر، وكان حسن البنا في زمن بلا انترنت ولا فضائيات، باستثناء القنوات الإذاعية والصحف يجد صعوبة في التواصل مع الناس، وحتى الكتب التي ألفها مثل مذكرات الدعوة والداعية والمرأة المسلمة وتحديد النسل والسلام في الإسلام والرسائل وقضيتنا، لم تظهر إلا بعد وفاته، ولم تنتشر إلا بعد نصف قرن من وفاته، وبقيت فكرة الإخوان منذ نشأتها وهي كونها ترفع شعار الإسلام أسلوبا شاملا للحياة والإخوان دين ودولة ومصحف وسيف، وكلها شعارات، مازال يحملها الكثير من علماء الإسلام، وهي الوحيدة التي بإمكانها أن تخوض في السياسة بسبب خبرتها في التعامل مع مختلف الأنظمة، من رأسمالية إلى اشتراكية وملكية وجمهورية.
كما أن الفرصة التي ظن كثيرون بأنها قد سنحت أمامها تبخرت.. بفعل العسكر مع سبق الإصرار والترصد، فقد اتهمت الجماعة بأنها ظالمة وهي تنشط في العلن وقد يصبح قدرها أن تنشط في السرّ وهي مظلومة، ولكنها سرية مختلفة، لأن أنصار الإخوان، يعلمون الآن كل شيء عن رئيسهم في ظرف ثانية من وقوعه.