الرأي

الإستثمار في الموت !

الشروق أونلاين
  • 1316
  • 0

محمد‮ ‬يعقوبي

ثمّة نقاش جاد في مصر حول المراجعات الفقهية والعقدية للجماعات الإسلامية، التي أطلقها سيد إمام أحد مؤسسي التيار “الجهادي” في الشرق الأوسط، رغم أن الوضع الأمني في مصر قد تطهر من الجماعات المسلحة نسبيا بعد الزج بالآلاف من أعضائها في السجون وتوبة البعض الآخر من الفكر التكفيري،وتبدو مصر ليست في حاجة ماسة إلى هكذا مراجعات مثل دول أخرى لاتزال تعاني من التطرف المسلح وعلى رأسها الجزائر، وربما الجزائر وحدها من تبدو في حاجة إستعجالية للمراجعات الفكرية، خاصة لدى الجهات المسلحة المتوالدة التي أحيت فكر الخوارج في زمن سقطت فيه الكثير من أقنعة التطرف.. بل الأخطر في التطرّف عندنا هو الانتقال المخيف إلى العمليات الانتحارية، التي لم يستقر المتتبعون على تفسير واضح لها يجعلنا نفهم كيف يقدم الشباب والشيوخ على تفجير أنفسهم في أناس آخرين.
الجماعات المسلحة في الجزائر جربت كل أنواع الجرائم والإبادات والمجازر، لكنها فشلت في إعطاء أعضائها فرصة المراجعة، وربما كانت المراجعة الفردية داخل صفوفها رديفة للإعدام بتهمة “الخيانة”.. ولذلك توالدت الجماعات وتناسخت وقام بعضها على أنقاض الآخر وحتى الذين تابوا‮ ‬وأنابوا‮ ‬أصبحوا‮ ‬في‮ ‬زمرة‮ “‬المرتدين‮” ‬تجري‮ ‬مقاتلتهم‮ ‬مثل‮ ‬الباقين‮..‬
نقول هذا الكلام، لأنه لا الفقر ولا الجهل يبرّران العمليات الانتحارية التي انتشرت في الجزائر، فملايين الجزائريين يعيشون وضعا إجتماعيا مزريا، لكن لم يدفعهم أبدا إلى الانتقام من باقي الجزائريين بتلك الطريقة الوحشية، وخارج الجزائر ثمّة دول وشعوب تتخبط في الجهل والفقر، لكن أبدا لم نسمع بأحد انتحر في بنغلاداش أو الزايير أو بعض بلدان أمريكا اللاتينية، ما يعني أن ثمة عوامل نفسية وفكرية وملابسات تخصّ الزمان والمكان كلها ساهمت في إطلاق هذا الكم من العمليات الانتحارية التي وقودها في الغالب أطفال أو مراهقون غرقى في الجهل‮ ‬والفقر‮.‬
العامل الأهم الذي جعل شبابا في عمر الزهور، يقدمون على الموت إقدام الآخرين على الحياة هو قدرة الجماعات المسلحة على غسل أدمغتهم بأفكار لا أصل لها في الأعراف والشرائع والأديان، وقدرة المتطرفين على استغلال الفقر والجهل لصالحهم وإيهام الفارين من أوضاعهم أنهم يبنون‮ ‬لأنفسهم‮ ‬بيوتا‮ ‬في‮ ‬الجنة‮ ‬وربما‮ ‬استثمر‮ ‬المتطرفون‮ ‬أيضا‮ ‬في‮ ‬ظاهرة‮ ‬الانتحار‮ (‬الاجتماعي‮) ‬بتضليل‮ ‬البائسين‮ ‬وإقناعهم‮ ‬بأن‮ ‬يوجهوا‮ “‬انتحارهم‮” ‬من‮ ‬الانتقام‮ ‬من‮ ‬أنفسهم‮ ‬إلى‭ ‬الانتقام‮ ‬من‮ ‬المجتمع‮ ‬برمته‮!‬
لعل‮ ‬استكمال‮ ‬سبل‮ ‬المصالحة‮ ‬وإطلاق‮ ‬سراح‮ ‬التنمية‮ ‬وحدهما‮ ‬ما‮ ‬يجعلنا‮ ‬نعري‮ ‬الفكر‮ ‬الانتحاري‮ ‬ونمنع‮ ‬وقوع‮ ‬المزيد‮ ‬من‮ ‬العمليات‮.. ‬وإلا‮ ‬سنجد‮ ‬أنفسنا‮ ‬أمام‮ ‬ظاهرة‮ ‬إنتحارية‮ ‬يصعب‮ ‬فهمها‮ ‬ومعالجتها‮.‬

مقالات ذات صلة