الإسلاميون.. وانهيار القيم
من الملاحظات الجديرة بالاهتمام، والتي يحاول الإسلاميون، بمختلف صنوف التلاعب بالألفاظ الاحتيال عليها، ذلك الانهيار العجيب الذي أصاب القيم التي كانوا يزعمون أنهم يؤمنون بها، ويدعون الناس إليها ويضحون في سبيل ذلك، ويستشهدون له بسنة الله في ابتلاء الصالحين من عباده..
كانوا يقولون للناس: إن المشروع الإسلامي ينطلق من القيم والمبادئ والأخلاق، ولذلك فإن العالم الممتلئ بالفساد سيواجه هذا المشروع، وسيعلن عليه الحرب الناعمة والصلبة، وسيقاطعه اقتصاديا، وسيشوهه إعلاميا.. ولكن مع ذلك لا مناص لنا من السعي لتحقيقه، والصبر على ذلك حتى لو اضطررنا في ظل المقاطعات الاقتصادية إلى الصوم والجوع وكل أصناف البلاء..
كانوا يقولون هذا، وهو مسطر في مراجعهم الكبرى من كتب سيد قطب رحمه الله وغيره..
ولكنهم.. ولستُ أدري كيف ولا لمَ.. تغيروا تغيرا جذريا.. لقد أصبحت القيم عندهم هي النجاح في الاقتصاد، ومقاومة البطالة، والنهوض بالتنمية.. ولا يهم الطريق المؤدي إلى ذلك..
وهم يستعملون النموذج التركي مادة لإشهار هذا المشروع والدعوة إليه..
وما أسهل على أي حاكم – سواء كان ليبراليا أو علمانيا أو لا دينيا- أن يطبق هذا المشروع: فما عليه سوى أن يُلبس زوجتَه الحجاب لتسير معه، وهي ترتديه.. أما المجتمع فيمكنه أن يلبس ما يشاء، ولا رقابة عليه في ذلك.
ولا عليه سوى أن يحفظ بعض الأحاديث، ويقلد بعض الأئمة في قولها في خطبه..
ولا عليه سوى أن يستقبل نفرا من الإسلاميين المطارَدين، ويضع في يدهم بعض القنوات الفضائية ليسبّحوا بحمده، ويلعنوا أعداءه، ولو كانوا من إخوانهم وأهل بلادهم..
ولا عليه سوى أن يقطع العلاقات مع جيرانه، ويعلن العداوة عليهم، بل يمكنه في سبيل النهوض باقتصاده أن يسرق مصانعهم، وسياحهم ليحوّلهم جميعا إلى بلده.
ولا حرج عليه بعد ذلك –في سبيل حماية أمنه القومي- أن يقيم علاقاتٍ إستراتيجية مع الكيان الصهيوني، وأن يتحالف مع الناتو، ويضع قواعده العسكرية في بلاده.
ولا عليه –في سبيل أن يستقطب السياح– أن يفتح جميع الملاهي الحلال منها والحرام، وأن يقيم شواطئ للشواذ والمنحرفين، وأن يسمح ببيع جميع أنواع الخمور والمحرمات.
بل لا حرج عليه أن يعطي تراخيص للقنوات الإباحية، ويعطي معها التراخيص لكل أنواع الرذائل.. بل يسمح ببناء استوديوهات خاصة بذلك تحميها الدولة ومشروعها الإسلامي لترسل للعالم “الإنتاج الإباحي الإسلامي” في أجمل صوره الدالة على “التسامح والانفتاح”!
هل يمكن لمن يرى تركيا بالصورة الحالية أن يعتبرها نموذجا للمشروع الإسلامي القائم على الأخلاق والقيم والمبادئ؟
وهل انهارت القيم لدى الإسلاميين حتى صارت إلى هذا الدرك المنحط؟
لست أدري هل اخترقت عقول الإسلاميين؟.. أم أن هذه هي المبادئ التي كانوا يؤمنون بها، ولكنهم كانوا يطلونها بذلك الطلاء البراق ليستقطبوا السذج من أمثالي، فإذا ما ثاروا على هذه الانحرافات خوّنوهم واتهموهم بأنهم تغيروا.. ولست أدري من تغير.. هل ذلك الذي باع دينه للشيطان، أم ذلك الحريص على القيم والمبادئ والأخلاق ولو ضحى في سبيلها بكل ما يملك، لأن الله لم يودعنا هذه الأرض لنعمّر الاقتصاد فقط، وإنما أودعنا فيها لنعمر أيضاً قلوبنا وأرواحنا بالقيم والمبادئ والأخلاق.