الرأي

الإصلاح التربوي وضرورة ردم الهوة بين المدرسة والجامعة (الجزء الثاني)

الشروق أونلاين
  • 1380
  • 0

يُفضل ترك الجدل العقيم الرائج عندنا، ووضع خطة مستقبلية لفض هذا الاشتباك الفكري الجاف الذي نشأ بسبب الاختلاف اللغوي، فلا بد أن يُحضّر كل جامعيٍ ليصبح قادرا على التدريس باللغة العربية؛ وليصبح أيضا يملك القدرة على المطالعة، ومزاولة البحث باللغة العلمية التي صدر بها المقال أو نُشر الكتاب.

 ويجدر التسجيل أن من نتائج الفقر اللغوي وعدم القدرة على الفهم أو الغوص الجيد لإصابة المعنى المقصود عندنا في الجامعة، اضطرار الكثير من الأساتذة النجباء إلى التضحية بالمحتويات التي تتطلب قدراتٍ لغوية وذهنية وفكرية عالية، فتحوّل بعضهم إلى “معلمي صبيان”.

فيتعين رفع المهارات اللغوية وليس خفضها، فقد شدد بعض الخبراء على ضرورة تطوير المحادثة حتى في البيت كما أوضح أحد العلماء الألمان (Basil   Bernstein ; 1971  )  فما بالك بالمدرسة، لأن ذلك يُسهم في تبلور الرموز لدى الطفل، ويعمل على نضج وتطور إدراكاته للعالم، وأساليب تعبيره عن الأشياء، ويؤثر إيجابا في اتجاهات تفكيره مستقبلا.

ولذلك لا يُعقل أن يفكر بعضُنا في خفض مستوى اللغة في المدرسة والنزول بها إلى أدنى مستويات التعبير بدعوى تجنّب العجز في أساليب توصيل المضامين المعرفية، في الوقت الذي يؤكد فيه العلماء على أهمية اللغة “المتطورة” في البيوت للسماح للأبناء بالمضيّ بعيدا في مسارهم المدرسي.

وللعلم، ذهبت عديد النظريات بعد التقرير الأمريكي الشهير، المعروف بتقرير كلمان Coleman (1966) إلى أن أهم أسباب اللاّمساواة بين أفراد المجتمع في عمليات التمدرس (النجاح، مواصلة المسار الدراسي… إلخ) ترجع أساسا إلى الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية داخل الأسرة.

وركزت على أثر الخصائص الثقافية للأسرة على الأداء التعليمي والتربوي لديهم، فالأولياء حسب بورديو ينقلون إلى أبنائهم نسقا قيميا يحدّد اتجاههم نحو الرأسمال الثقافي، وبعضهم يورث أبناءه رأس مال ثقافي (لغة، وممارسات ثقافية، وطموحات، وأنساق قيمية) يجعلها تمتلك حظوظا أوفر للوصول إلى أعلى المراتب العلمية والاجتماعية.

وأكد عالمان آخران (Baudelot et Establet) أنّ التحضير للبكالوريا يبدأ من سن الرابعة بالنسبة للأبناء، وبيّن هؤلاء أن ضمن العناصر الثقافية التي تؤثر في المستقبل الدراسية للأبناء بعض “الممارسات الثقافية” داخل الأسرة مثل وجود مكتبة بالبيت، وارتياد أفراد الأسرة المتاحف والمسارح، وتوفر الأنترنيت بالبيت.

ويمكن في هذا الصدد التأكيد على اللغة المبسّطة لتجاوز الجدل المطروح، مثل تلك اللغة التي أصبحت سائدة في الصحف، والتي تستطيع أن تتقمص المصطلحات العلمية دون عناء.

وفضلا عن ذلك يتعيّن على الدولة أن تنظر إلى الأسرة على أنها المشتلة الأولى التي يجب الانطلاق منها، ولذلك تضع مخططات خاصة بالنسبة للأسر، خاصة الهشة منها، فتهيئ لها الشروط المادية والأجواء المعرفية والثقافية لرقيّ ونماء النشء، لا أن تهبط بالمدرسة إلى ما تحت الصفر. 

أما ما يتعلق بمَلكات البرهان، ومهارات التفكير والاستدلال، أي “آلة تحصيل العلم” (عابد الجابري، بنية العقل العربي، ص385) فهي تحتاج إلى جهد كبير جدا، لتطويرها بالقدر الكافي، ليصبح طالب العلم قادرا على التحليل والتركيب، والبرهنة والابتكار، وإيجاد الروابط بين الظواهر والأحداث والعناصر والمتغيرات.

حتى لا تتكرر بعض الظواهر المعهودة، حيث ينتكس بعض الطلبة في السنوات الأولى الجامعية، خاصة في العلوم الصلبة فيزهدون فيها، ويعجزون عن مجاراتها، فيفرون منها زرافات ووحدانا نحو العلوم اللينة أو الرخوة الأخرى والتي ما فقدت منذ أمدٍ صرامتها وكنوزها المعرفية.

ولهذا يتطلب الأمر الاستفادة من جهود الباحثين الجامعيين في مجال “تعليمية” كل علم من هذه العلوم لتقديم النصح اللازم للتقليل من الخسائر التي تكبّدها المجتمع العلمي إلى حد الآن جراء التحويلات السلبية بين الفروع الجامعية.

وأظن بأن تنصيب لجان مشتركة دائمة بين الجامعة ووزارة التربية والتعليم من شأنه أن يقدّمَ العوْن المرغوب لإيجاد حلول ناجعة، وتحسين المسارات الدراسية لأبنائنا، وفتح الآفاق أمامهم للذهاب أبعد مما تتيح رغباتهم وطموحاتهم.

أما فيما يخص المقترحات المتعلقة بمسألة التوجيه نحو التمهين، فيتطلب الأمر إشراك كافة الوزارات حتى لا يحصل كما حصل للجامعة، حيث تحدّث الكل عندنا عن نظام التعليم الجامعي الجديد المهني، ولكن ولادته لا زالت عسيرة وغامضة، فكان من المفترض بداية مطالبة الوزارات الأخرى ببناء جسور مع الجامعات في القطاعات التابعة لها، بدل تشبّثها بمعاهدها ومدارسها.

وللأسف، بدل التفكير في الآليات الصحيحة لتطوير هذا المنحى المهني في جامعاتنا راح البعض، وبتأثير من فكرة التميهن، يحجّم مسار التكوين الأكاديمي ليُخرّج للحياة العملية طلبةً بدون تخصص فعلي.

وفي الختام، يجب أن لا تنصرف العملية الإصلاحية للمناهج فحسب، بل لا بدّ أن تأخذ بعين الاعتبار كافة المقوّمات والعناصر الأخرى مثل التشريعات، وأوضاع المعلمين والأساتذة وظروف عملهم حتى يتفرغوا لمهنتهم وتحسين أدائهم؛ فضلا عن الاهتمام بأوضاع المتعلم داخل الأسر، وتوفير العيش الكريم لوالديه ليُحسنا تأديبه وتعلميه، وتهيئته للمستقبل.


*بروفيسور بجامعة بسكرة

مقالات ذات صلة