الرأي

الإصلاح التربوي وضرورة ردم الهوة بين المدرسة والجامعة (الجزء الاول)

الشروق أونلاين
  • 1370
  • 0

للتربية دور لا يستهان به في تشكيل مادة الأمة وصلبها، وصياغة العقول والمشاعر؛ وهي تسمح للمجتمعات بكسب الرهانات المعقودة، وتشييد الصروح والجسور نحو الآفاق المرسومة، ولذلك تطلق بلدان العالم حملات للإصلاح التربوي من وقت لآخر حتى تحدّد كيفيات الاستفادة من التراكم المعرفي المتجدّد، وتساير التطورات العلمية والتقنية المتسارعة.

وعليه، فلا بد من تقويم الحصاد بأسلوب تحليلي معمق،   ورؤية نقدية واعية   قبل الشروع في عمليات الإصلاح، بعيدا عن التجاذبات الإيديولوجية والانقسامات اللغوية والثقافية، التي أفرزت في بلادنا “قبيلة” فرنكوفونية شديدة التعصب لمكتسباتها الأجنبية، تتفاخر علنا بازدرائها لكل ما يمتّ بصلة لإرث مجتمعها، وتخوض دون حياء في الكثير من المسائل دون تمحيص أو تحقيق، في مقابل “قبيلة” أخرى، قابلة للتعلم والتواصل، ولكنها كثيرا ما تتحول إلى ذوات منفعلة.

ولابد أيضا من الكشف عن مواطن القوة ومواضع الخلل والضعف، وتقديم الاقتراحات العملية والتوصيات البنّاءة، وتوفير مستلزمات تعزيز مكانة بلدنا ضمن الأمم المتقدّمة، فكلما علت الهمة ازدادت المروءة، وازداد الصعود في مدارج المعرفة والعلم والتقنية. 

ولا أظن أنّ من الحكمة بمكان أن يصبح الدافع الأساس للإصلاح هو التذمر المبالغ فيه، لما يُسجّل من إخفاق وعثرات، فقد يفضي ذلك إلى اليأس والنكوص، فإذا كان منطق الفشل قائدا للإصلاح، اختار دوما النزول إلى المنحدر فهو يميل إلى الحل السهل لإزاحة الصعوبات والتعقيدات.

ويجب ألا تتحمّل جهة واحدة أسباب الفشل أو تنسب إليها عوامل النجاح، فمهمة تقليص مجال الفشل وزيادة نطاق النجاح مهمة جميع الشركاء، فيجب استنفار كافة قواعد ومؤسسات المجتمع لإنجاح مسار التقدّم التربوي، وتحقيق النهضة العلمية المأمولة والمستوى الثقافي المبتغى؛ فمنذ قرون قليلة كانت تُستدعى في الحواضر المغاربية والإسلامية فيها كافة العناصر والمرافق والفعاليات لمرافقة أهل التعليم والتعلّم، وتهيئة الأجواء الموائمة للتربية والتثقيف.

لا بدّ من إسهامٍ جماعيٍ ومرافقة مجتمعية ومؤسسية وثقافية إيجابية للمتمدرس، ولأسرة المتمدرس، ومواجهة العبثية والتقاعس والخمول، وقيم احتقار أهل التعليم، ولجم الأبواق التي تحطّ من فضيلة طلب المعرفة، فكما يقول إدغار موران (Edgar Morin): “لا يمكن إصلاح المؤسسة من دون إصلاح للذهنيات أساسا، كما لا يمكن إصلاح الذهنيات من دون إصلاح أوليٍ للمؤسسة” (La Voie ; p251).

من أين نبدأ؟

تتمثل نقطة البدء لإحداث التغيير المنشود في عمليات التقويم الشاملة للحصاد التعليمي، ولكن، وهذا بالنسبة لواقعنا، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار ظروف عمليات الزرع، والوقت المستغرَق في الإنبات. ويتعين علينا من جهة أخرى اجتناب “الخرجات” غير الموزونة التي تجعل القضايا المصيرية الكبرى محل تجاذبات إيديولوجية، وسببا لزيادة الإحباط وزرع بذور الفرقة.

ويجب أيضا مقارنة مشاكل التعلّم مع بقية البلدان، والنظر في الاقتراحات والحلول التي تم التوصل إليها على نطاق عالمي رحب، وفي هذا الصدد نشر المختصون في فرنسا خريطة جغرافية عامة لأخطار التعرّض للرسوب، وأخرى لأسبابه، وكشف مؤشر قياس المتسربين من الدراسة سنة 2006 مثلا، أن هناك نسبة 35 ٪ من الذين تتراوح أعمارُهم بين 15 و24 سنة تركت مقاعد الدراسة ولم تتحصل على شهادة، هو عددٌ معتبر في دولة متقدمة ترحل إليها القلوب والعقول أكثر من غيرها من البلدان.

ولكن بيّن باحثون آخرون رغم ذلك، أنه مع ذلك فإن “المستوى في ارتفاع” وذلك في مجالات لا نلقي لها بالا؛ مما يستدعي التفكير في تحسين الأداء البيداغوجي، وسبل المعاملة، فبعض التلاميذ الذين لم تحتفظ بهم منظومتنا التربوية نجحوا في حياتهم العملية، بل تفوّقوا أحيانا على معلميهم وأساتذتهم في مجالات تقنية “ذكية”.

من هنا يمكن أن نبدأ

أعتقد أن نقطة الانطلاق التي يجب أن نبدأ منها هي ردم الهوة وتقليص الفجوة بين الجامعة والثانوية في كل المواد العلمية والأدبية، فضلا عن تقليص الفجوة بين كافة أطوار التعليم في المدرسة الجزائرية.

من السهل التأكد من اتساع هذه الهوة إذا وقفنا على حجم الرسوب في الجامعة، مما يبرر اضطلاع الجامعة أيضا بتقديم تقويم “تشخيصي” للوافدين إليها في كافة التخصصات حتى نتمكن من الكشف عن الخلل، ومعرفة المكتسبات لدى الوافدين، فنرسم بالتالي ملامح الوافد التي نريدها، وحتى يتسنى للطالب رفع درجات الاستيعاب لديه.

من أهم الجوانب التي من المفترض التركيز عليها بالنسبة للوافدين إلى الجامعة، إلى جانب الاهتمام بالتخصص الذي وجّهته إليه تجربته المدرسية، تطوير ملكتين أساسيتين لدى التلميذ.

وتتلخص الملكة الأولى في ملكة التعبير والإفصاح أو الإبانة أو التبيين، وتتعلق الملكة الثانية بالاستدلال والتفكير والبرهنة، مع مراعاة تكاملها عند التكوين والصقل والتثقيف، حتى يكون الوافد إلى الجامعة على بيّنة من أمره فيما يتعلق بالمقدرة على الفهم والاستيعاب وممارسة التفكير وإعمال العقل، فيسهل عليه الانتقال إلى مستوى جديد تنضج فيه عمليات التعلم لديه.

إن شحذ وتطوير هاتين الملكيتين يستدعي استكمال التكوين في علوم الآلات، أي يتعلق باللغة، والحساب والإحصاء والرياضيات…. وعلاوة على إتقان اللغة العربية يتحتم أيضا إتقان اللغات المطلوبة للبحث والمطالعة.

 

*مدير مخبر “المسألة التربوية في الجزائر في ظل التحديات الراهنة”جامعة بسكرة

مقالات ذات صلة