الإفتتاحية: عندما تخدم الدبلوماسية السياسة
العربي زواق
السياسة الأمريكية ليست متناغمة أو مساندة لإسرائيل فقط، وإنما مطابقة لها، بل يكاد المرء يجزم في كثير من المحطات أن الإدارة الأمريكية مجرد أداة طيعة بيد إسرائيل، خاصة عندما يكون حاكم البيت الأبيض من الموغلين في اليمين، كما هو حال آل بوش… هذه حقيقة لا ينفيها حتى الأمريكان أنفسهم وهي سياسة معلنة من الجميع ومدعومة بالإجراءات التنفيذية المكرسة لها.مقابل هذا، ولخلفيات تاريخية لها علاقة بنواة ميلاد الدولة الجزائرية وبذرتها الجنينية الأولى، وليس لنزوة حاكم اليوم أو رغبات حاكم الغد، لا تقف الجزائر في موقع المساند للفلسطينيين والرافض للسياسة الإسرائيلية فقط، إنما تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها، وعليه، فلا غرابة أن تكون الجزائر هي البلد العربي الوحيد الذي يرفع شعار “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة” و”القضية الفلسطينية هي الإسمنت الذي يوحد صفوف العرب، أو الديناميت الذي يفجر هذه الصفوف”.
أما عن المأساة العراقية، فموقف الجزائريين بلغ درجة الغلو، إذ ساندوا وبوضوح لا لبس ولا غموض فيه الرئيس الراحل صدام حسين حتى عندما ضم الكويت، أما عندما شاهدوا الرئيس الشهيد مكبلا بالأغلال بعد سقوط بغداد وتمكن قوات الاحتلال منه، فقد قفزت إلى أذهانهم صورة الشهيد الأسطورة العربي بن مهيدي بابتسامته المعروفة، بالرغم من أنه كان لحظتها مكبل اليدين هو الآخر ومحاطا بجلادي ضباط جيش الإحتلال الفرنسي… أما عندما تابعوا صور شنقه بعد أن سلمه الأمريكان لغلاة الحقد الطائفي، فاعتبروه عمر مختار آخر، والذي أعدم بنفس الأداة وبذات الطريقة على أيدي الفاشية الإيطالية التي لا تختلف في همجيتها، لا عن أفعال فرنسا خمسينيات القرن الأخير في الجزائر، ولا عن ممارسات المارينز في عراق اليوم.
هذه الحقائق يعرفها جيدا السفير الأمريكي في الجزائر، وهو مقتنع تمام الاقتناع بأن الجزائريين غير مستعدين ولا مؤهلين لمغادرة هذه المواقع والقناعات، ما دام الأمر يتعلق بموروث أجيال متعاقبة صقلتها المحن والآلام، وتضحيات جسيمة لا يقدرها إلا من اكتوى بنار الظلم مثلما اكتووا… رغم هذه الحقائق التي يعرفها السفير جيدا عن الجزائريين، فقد قبل مناظرة الدكتور محمد لعقاب، ونزل إلى المكتبة الوطنية للدفاع عن سياسة بلاده التي نشك إن كان لايزال مقتنعا بجدواها ولا نقول بها… إن مجرد قبول السفير روبرت فورد لفكرة المناظرة ونزوله لخوضها يجعلنا نقدره ونحترمه، لأنه قبل خوض معركة كان يعرف مسبقا انه سيخسرها لا محالة ونقصد بالخسارة هنا استحالة قدرته على إقناع الجزائريين بغير ما ورد في كتاب لعقاب، ما دام إقناع الجزائريين بإبادة الفلسطينيين واحتلال العراق أمرا غير وارد بالمرة، وفي هذا منتهى إيمان الرجل بالمهمة الموكلة إليه… لقد وضع السفير الأمريكي قدراته الدبلوماسية في خدمة سياسة يعرف أنّ لا حظ لها من النجاح في المنطقة العربية… فهل لنا أن نحلم بأن يكون منتسبو سلكنا الدبلوماسي على هذا المستوى من الإيمان بالمهام الموكلة لهم؟