-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإمام وفقه الأحكام

الإمام وفقه الأحكام
تعبيرية

لا يكون الإمام إماما حتى تكون له دراية بفقه الأحكام لأنه إنما جعل الإمام ليؤثم به وكل خطإ منه في الاستشهاد والاستدلال بالنصوص الشرعية قد يعدّ خطيئة في نظر من يؤمّهم، ولهذا السبب وجب على الإمام أن ينقّب في كتب التفاسير وشروح الأحاديث ما يعضد قوله وإلا كان ممن يلقي الكلام على عواهنه ويضع النصوص في غير موضعها ويستدل بها على غير وجهها أو يؤوّلها على غير مرادها وعلى خلاف ما أجمع عليه علماء الأمة.

الإمامة منصب جليل، فمن أقامه الله فيه فليؤدّه على وجهه المشروع وفقا لما تمليه الشريعة، ويوجبه القانون المنظِّم للمهنة وإلا عُدَّ مجتهدا في غير موضع الاجتهاد، أو مبتدعا أو منفرا وبذلك يفقد هيبته، ويزهِّد الناس فيه وبصغر في أعينهم بل قد يزدريه بعضهم ويرمونه بما لا يرضى من القول والفعل، فبعض الناس -هداهم الله- لهم ألسنة حداد لا همّ لهم إلا اصطياد الهفوات والزلات من أي وعاء خرجت فما بالك أن تصدر عن إمام ترقبه كل الأنظار وتوجَّه إليه السهام في كثير من الأحيان.

 كلُّ ما في الأمر أن الإمام اجتهد للحفاظ على النظام وآداب الاستئذان في بيت الله سبحانه وتعالى، ولكن التشديد في هذا الأمر أمر غير مرغوب فيه، فمقصورة الإمام إنما جعلت للالتقاء بالمصلين والإجابة على أسئلتهم وليس لها ما يتعلق بالعورات والحرمات وما شابهها.

لقد اشتغلتُ بالإمامة زمنا قصيرا، فقد كتب الله لي أن أخط مساري في الجامعة وفي الجامعة تتلمذ على يدي عدد كبير من الأئمة الذين ألتقيهم حيثما وليت وجهي في ربوع الوطن وخارجه وهذه منّة وفضلٌ من الله سبحانه وتعالى “وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده”. ليس من المبالغة القول إن جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية التي تشرفتُ بالانتساب إليها طالبا وأستاذا ومسؤولا قد كان لها -بعد الله سبحانه وتعالى- الفضل الكبير في تخريج كثير من الطلبة الذين اشتغل جلهم في الإمامة وأكرم بها من وظيفة، ولكل من ينكر هذا أن يتابع نشاطاتهم المسجدية وأعمالهم الدعوية والوعظية ونجاحاتهم في المحافل الدولية كخير سفراء لبلدهم سواء في مجال الإقراء أو مجال الإفتاء.
لا تدخر وزارة الشؤون الدينية والأوقاف جهدا في تمكين الإمام من كل ما يحسّن مستواه، ويرقى بأداته حتى يكون قدوة لمجتمعه، ولا تدّخر الوزارة جهدا في تنظيم الندوات التربوية التي تمكّن الإمام من تطوير مهاراته، وتجديد معارفه، واختبار خبراته. ولا تدخر الوزارة جهدا في تفعيل آليات الرقابة والمتابعة والمرافقة في كل مساجد البلد، يضطلع بها مفتشون وخبراء أكفاء، غايتهم خدمة بيوت الله والحرص على بقائها منارات للهدى، يستضيء بها كل متعطش للعلم الشرعي، ويلوذ بها ويأوي إليها كل من أعيته متاعب الحياة وهواجس النفس ونزغات الشيطان.
إن هذا الجهد الكبير الذي تبذله وزارة الشؤون الدينية في الجزائر يفرض على الإمام واجبا أكيدا، وعملا متقنا، يتماشى ومقتضيات الوظيفة التي هي أشرف وظيفة وأنبل مهنة كيف لا والإمام هو وريث محراب النبوة ومنبر خاتم النبيئين والمرسلين، فينبغي على الإمام أن يؤدي هذا الواجب، متسلحا بالعلم الشرعي وفي مقدمته فقه الأحكام سواء ما تعلق بآيات الأحكام أو بأحاديث الأحكام أو بالمعارف الأخرى التي يستحب العلم بفروعها التي تعينه على الإجابة على ما قد يُستفتى فيه من مسائل علمية تدل عليها إشارات في الكتاب والسنة، فبعض أئمتنا القدامى وبعض المحدثين جمع بين علم الأديان وعلم الأبدان وبين علم الإنسان وفقه الأحكام، وهناك نماذج رائدة في هذا المجال لا يتسع هذا المقال لذكرها.
لفتت نظري صحيفة على مقصورة إمام مكتوب عليها: “لا تدخل المقصورة ولا تفتح الباب حتى يُفتح لك مهما كنت ومهما كانت حاجتك”، وعضد الإمام هذا بالحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله: “إنما جُعل الاستئذان من البصر”. جميل ما فعله الإمام، فالاستئذان باب مهم في شريعتنا الإسلامية وقد أفرد له بعض علمائنا مصنفات خاصة لجليل أمره وعظيم شأنه، وينبغي أن لا يُنظر إليه على أنه رغيبة كما يعتقد بعض السفهاء وبعض المشتغلين بالباطل والمستمرئين للفوضى. إن المساجد بيوت الله كما قال الله تعالى: “وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا”، وحرمتها واحترامها واجب ويشمل ذلك أئمتها وروادها وعمارها والمشرفين والقائمين عليها.
هناك في الفقه الإسلامي أحكام خاصة بالاستئذان، وبالمواضع التي هي أخص من غيرها بذلك يجب أن نعلمها ويعلمها أئمتنا من باب أولى حتى لا يكونوا ممن يبررون رأيا رأوه، وحكما اعتقدوه بسوق نص شرعي من الكتاب والسنة حتى يوافق ما ذهبوا إليه. إن حديث: “إنما جعل الاستئذان من البصر”، يخص محظورا ومحذورا حظره الشرع وحذر منه صاحب الرسالة صلى الله عليهسلم وهو أن تقع عين الإنسان على ما حرم الله من عورات وحرمات، وتلحق بها كل خصوصيات الإنسان، مما هو مصون شرعا وقانونا مما لا يحل لأحد الاطلاع عليه كما في حديث: “إياكم والدخول على النساء، قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت” . والحمو كما ذكر شراح الحديث هو أخ الزوج أو من هو على صلة قرابة كبيرة به من جهة النسب.
أعود إلى حديث: “إنما جعل الاستئذان من البصر” الذي استدل به الإمام والذي جعل بعض المصلين يحجم عن السؤال والاقتراب من مقصورة الإمام خوفا من أن لا يُؤذن له بالدخول. لا أظن أن الإمام -وقد كان بالمناسبة أحد تلامذتي بجامعة الأمير عبد القادر- قد وضع هذا التحذير الشرعي لغاية في نفسه، أو لمنع الناس من دخول مقصورته، فالرجل مشهودٌ له بدماثة الخلق وحسن السيرة ولين الجانب، كلُّ ما في الأمر أن الإمام اجتهد للحفاظ على النظام وآداب الاستئذان في بيت الله سبحانه وتعالى، ولكن التشديد في هذا الأمر أمر غير مرغوب فيه، فمقصورة الإمام إنما جعلت للالتقاء بالمصلين والإجابة على أسئلتهم وليس لها ما يتعلق بالعورات والحرمات وما شابهها، فقد كان الأعرابي يدخل على رسول الله في مسجده فيبادره بالسؤال فيجيبه ويشفي غليله، وكانت مجالس الصحابة والتابعين رضي الله عنهم مشرعة للسائلين والمستفتين، كما هو الشأن بالنسبة لمجلس عبد الله بن عباس ومجلس الإمام مالك ومجلس الأشعري وغيرهم من فقهاء الأمة وعدولها، وفي العصر الحاضر، جالسنا كبار العلماء وتتلمذنا عليهم فما وجدت أحدا منهم يضع صحيفة على باب مكتبه بل مكاتبهم مشرعة تستقبل كل من يأتي إليها سائلا عن مسألة أو ملتمسا لنصيحة. إن مقصورة الإمام هي همزة الوصل بين الإمام والمأمومين، فيجب أن لا نفسد هذا الوصل بأحاديث جُعلت لغير هذه المواضع. إن من واجب الإمام أن يجعل من مقصورته وسيلة من وسائل تعزيز وشائج المودة بينه وبين المصلين، خاصة ونحن في زمن كثر فيه الجفاء والتنكر لفضل الإمام بل تجرّأ بعضهم على التهجم والاعتداء عليه أو التقليل من شأنه أو إهانته مما يحرّمه الشرع والقانون، لأن الإمام إنما أقامه الشرع والقانون في هذا المقام فاحترامه وتوقيره واجب وهو أيضا مطالَب بالمثل وبذلك نحافظ على دوام حسن الصلة بين الإمام والمأموم.
نصيحتي لهذا الإمام ولغيره أن ينفتحوا على المصلين وأن يعززوا صلتهم بهم، فصلاح المجتمع بصلاحهم، وأن يحرصوا على المرجعية الدينية ويعضوا عليها بالنواجذ، وينبذوا الغلو والتطرف، وأن يكونوا عونا لوطنهم لا عبئا عليه، لسانا له لا لسانا عليه، وأن يتصدوا للحركات الهدامة والأقلام المأجورة التي تستهدف المساس بقيمنا، وأن يكونوا يدا مع جماعة المصلين والمسلمين على من اختار التخندق مع الخائنين والمرجفين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!