الإيديولوجيا وطقوس عملها
تميزت فترة الثمانينات من القرن العشرين التي عشت تفاصيلها في بريطانيا بالمناقشات الساخنة حول الايديولوجيا ودورها في بناء الذاتيات والهويات، وفي تلك المرحلة التاريخية المتوترة أصبح يبدو لي ولغيري أن الصراع الفكري بين المعسكر الشرقي وبين المعسكر الغربي بشكل خاص قد وصل إلى ما يشبه حافة الصدام العنيف والنهائي، وكان هذاالصدام ينذر بعواصف قوية كثيرة وربما بتحول فكري وسياسي على المستوى العالمي.
في تلك المرحلة بالذات تابعت النقاش الذي أثاره مقال “نهاية التاريخ” للمفكر الياباني الأصل والأمريكي الجنسية فرنسيس فوكوياما، المنشور على صفحات مجلة “ناشيونال انترست” الامريكية في عام 1998م، وقد أثار ضجة كبيرة وكثيرا من ردود الأفعال الحادة خاصة عندما تصدى له أقطاب الفكر اليساري الغربي بالنقد الشرس وأعابوا على هذا المفكر قوله بأن الايديولوجيا الليبرالية قد انتصرت على الايديولوجيا الاشتراكية بصفة نهائية، هذا واعتبروا النتائج التي توصل إليها بعيدة عن العلم ومغرقة في الوقت نفسه في الحماس الايديولوجي.
لقد كانت فكرة نهاية التاريخ التي بنى عليها فوكوياما فيما بعد كتابه الشهير “نهاية التاريخ والانسان الأخير” فكرة أيديولوجية متداولة –قبل أن يكتب هو مقاله ومن ثم كتابه– في الفكر الإنساني القديم، وفي الإنتاج الفلسفي الألماني الحديث المادي والمثالي معا. وأنا أتابع السجال بين المفكرين حول هذه الفكرة رحت أتساءل: من الذي وضع مصطلح الايديولوجيا؟ وماذا تعني الأيديولوجيا تحديدا؟ وكيف تعمل؟ وماهي الاجهزة التي تقوم بإنجازها؟
من المعروف أن المفكر الأمريكي الذي رفع شعار “نهاية الأيديولوجيا” في كتابه الذي يحمل هذا العنوان بالذات هو دانيال بيل، أماالدارسان سيمون مالباس وبول وايك فإنهما يريان في كتابهما الذي يحمل عنوان “النظرية النقدية” أن مصطلح الايديولوجيا هو من وضع الفيلسوفالفرنسي ديستوت دو تراسي Destut de Tracy“؛ فالأيديولوجيا حسب هذين الدارسين “مفهوم مركزي في النظرية النقدية المستعمل عموما بإحدى هذه الطرق الثلاثة التالية:
1– تعتبر الايديولوجيا مجموعة من المعتقدات الواعية واللاواعية التي يحملها فريق معين من الناس.
2– هناك من يرى أن هذه المعتقدات غير صحيحة، وأن الأيديولوجيا التي دعاها فريدريك انجلز بالوعي الزائف هي أساس الاضطلاع الماركسي– الفرويدي بتحليل الدين. 3- يستخدم مصطلح الايديولوجيا للإشارة إلى العملية التي يكتسب الناس بواسطتها معتقداتهم، ثمَ إن النظريات الأكثر تأثيرا من هذا الصنف قد أفصح عنها أنطونيو غرامشي ولوي ألتوسير“.
نحن هنا أمام تعريف مثلث الأضلاع للأيديولوجيا: فالأول ينتمي إلى الفهم الطبيعي القائم على الحس المشترك، والثاني فرويدي– ماركسي يتمسك بفهم مادي ونفسي للأيديولوجيا، والثالث خاص بالمفكر الايطالي أنطونيو غرامشي الذي يرى أن الايديولوجيا لا تفهم بمعزل عن الكتلة التاريخية أي تعضون كل من البنية الفوقية والبنية التحتية مع الإقرار بالاستقلال النسبي للبنية الفوقية.
إن غرامشي يؤمن أن الايديولوجيا لا تعمل أفقيا ومن جهة واحدة، بل إن عملها يتخذ أشكالا متعددة كما أن تأثيرها على الناس يتم على أساس الهيمنة. وهذا يعني بوضوح أن الأيديولوجيا تحرك البشر بواسطة الرضا وبتقنيات الترغيب والإقناع. أما ألتوسير الذي يوظف نظريات المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان فيعتقد أن الايديولوجيا هي التي تشكل الذوات في قوالبها. وهنا نفهم أن ألتوسير يقع بدوره ضحية للجبرية كما يرى سيمون مالباس وبول وايك وجاك دريدا ومعظم فلاسفة ما بعد البنيوية، وكذلك نقاد النزعة الاقتصاداوية التي تفسر التاريخ على أنه من صنع البنية المادية الاقتصادية فقط.
في غمرة السجال الفكري الذي تابعته بشغف في الحياة الفكرية البريطانية لاحظت بروز عددمن المفكرين الذين قاموا بنقد قوي للفهم الماركسي التقليدي أو الأرثوذكسي للإيديولوجيا حيث سجّل هؤلاء نقطة مهمة وهي أن الصانع الأمهر لحركة التاريخ ليس البنية التحتية فقط، بل فإنّ البنية الفوقية لها دور محوري في صنع التاريخ وإحداث التغيير في القاعدة– البنية التحتية أيضا.
وفي مقاله الشهير “الايديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية” للمفكر لوي ألتوسير الذي قضيت شهورا في قراءته وتمحيصه واستيعابه وجدتُ أن أول شيء يؤكد عليه هو ضرورة التمييز بين أجهزة الدولة الأيديولوجية القمعية وبين أجهزة الدولة الأيديولوجية التي تعمل بالقوّة الناعمة لتشكيل اللاوعي الثقافي للناس. في هذا السياق لاحظت أن ألتوسير يدعو بإلحاح وقوة إلى التمييز بين الحكومة، والإدارة، والجيش، والشرطة والمحاكم والسجون من جهة، وبين الأجهزة الأيديولوجية غير العنيفة التابعة للدولة مثل المؤسسات الدينية، والتعليم الخاص والعام، والنظام السياسي بما في ذلك الأحزاب السياسية، والنقابات، ووسائل الاتصال والإعلام، والثقافة، والآداب والفنون والرياضة من جهة أخرى.
إنه بواسطة هذا التمييز نجد ألتوسيريريد القول بأن الأجهزة الأيديولوجية القمعية تعمل باستخدام القوة والعنف، في حين تعمل الأجهزة الأيديولوجية السلمية على تشكيل الذوات، والهويات، والمواقف بشكل غير مباشر وعن طريق الرضى، وهو في هذا التمييز يعيد انتاج الأفكار الأساسية التي بنى عليها انطونيو غرامشي نظرية الهيمنة التي اشتهر بها.
في خضم بذلي للمحاولات للتعمق في هذا التمييز الذي يدعو إليه ألتوسير، توقفت طويلا عند تأويلات الباحثين “فيليب رايس” و“بترييشهوو“، اللذين يوضحان لنا أن ألتوسير يدرج الأدب ضمن أجهزة الدولة الأيديولوجية الذي تستخدمها الطبقة المسيطرة على الدولة لكي تمارس الهيمنة، ولكي تبقى في السلطة. إن هذين الباحثين يشيران أيضا إلى أن دراسة ألتوسير للإيديولوجيا قد مكّنت من “توفير إطار عام لفهم العلاقة بين النص الأدبي، وبين عالم المجتمع“، ومن توفير نموذج للتحليل النصي الذي يكشف عن “أيديولوجية النص“.
هنا نرى أنه من الضروري توضيح مسألة مهمة وهي أن ألتوسير قد استفاد من التحليل النفسي لـ“جاك لاكان“، وخاصة في مجال الكشف عن اللاوعي الثقافي، وعن دور اللغة في تشكيل هذا اللاوعي الثقافي تاريخيا.
لا شكَ أنَ ألتوسير قد أكد في مقاله المذكور آنفا أن الأيديولوجية تعمل بطرق مختلفة لتشكيل القيم والثقافة، والسلوك، وغالبا ما تعمل بطرق مواربة وغير مباشرة. يقول ألتوسير بأن “الأدب يقوم بوظيفة إنتاج الأيديولوجيا“. بناء على هذا النوع من الفرضية فإنه يمكن لنا القول بأن دور النقد الأدبي هو دراسة الأيديولوجية في النصوص الأدبية، وتفكيك الطبقات اللاواعية للثقافة التي تشكّل هوّيات الناس في المجتمع. وهكذا فإن الكشف عن هذه الايديولوجيا يُعدّ من بين أهم وظائف التأويل النقدي الذي تضطلع به نظرية الأدب والنقد الثقافي، وبهذا الصدد نجد الناقد الثقافي “مدان صاروب” يوضح قائلا: “بأننا نوجد كأناس في الايديولوجيا فقط“، ويعني هذا أن وجودنا كهويات مشروطٌ جبرياً بالأيديولوجيات. وفي الواقع، فإنّ الإقرار بأن الايديولوجيا هي التي تشكّل وجودنا الاجتماعي، ووجودنا الفردي يعني أن ثمة حتمية أيديولوجية وهذا النمط من الاقرار يقصي فاعلية البشر وحرياتهم، وقدرتهم على الاختيار وصنع مصيرهم، وهنا نتساءل:كيف يمكن للنقد أن يحرر الأفراد من الايديولوجيا المفروضة عليهم من السلطة أو من قبل الطبقة المسيطرة مثلا؟ أعتقد أن الجواب على هذا السؤال يفترض القيام بحركتين على مستوى النظرية، وعلى مستوى الممارسة النقدية، وتتمثل الحركة الأولى في تنمية الفكر النظري النقدي الذي يؤسس لاستراتيجيات بناء الوعي النقدي عند الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين والثقافيين وغيرهم. أمّا الحركة الثانية التي ينبغي إنجازها فتتمثل في ممارسة وانتاج المقاومة لأيديولوجيا السلطة المتسلطة من خلال إبراز ودعم وتعميم النصوص الأدبية التي تتضمن الهيمنة المضادة، وتتمثل أيضا في الكشف عن بنية أيديولوجيا السلطة في أنماط الإنتاج المادي وفي البنيات السياسية وفي الرأسمال الرمزي برمته بما في ذلك الأشكال الاجتماعية والنصوص الأدبية، ومن ثم القيام بتحليلها ونقدها بقوّة.