الإِمَامُ المُتَّبَعُ
الإمام هو كلُّ من يَأتَمُّ به الناسُ في أيُّ ميدانٍ، فحتى إبليسُ بهذا المعنى هو “إمامٌ”، لأنه قائد الفاسدين المستبدين، وغلب إطلاق هذا الاسم على من يؤمُّ المسلمين في صلواتهم.
و”الإمام” عند الإمام عبد الحميد ابن باديس هو “العِلم”، حيث يقول: “العلمُ هو وحده الإمامُ المَتْبعُ في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات” (آثار الإمام عبد الحميد ابن باديس – وزارة الشؤون الدينية ج 1 ص 139).
وإذا كان الأستاذ مالك ابن نبي قال في سنة 1973 في محاضرة له تحت عنوان: “الأيديولوجيا والعمل” بأن كل عمل يجب أن يسبَقَ بسؤالٍ هو: “كيف نعمَل؟”، فإن الإمام ابن باديس قد كتب ذلك في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث قال: “العِلمُ قبل العملِ، ومَن دَخَلَ في العَمَلِ بغير علمٍ لا يَأمَنُ على نفسِه من الضَّلَال” (آثار الإمام ابن باديس ج 2 ص 107).
وقد وَقَفَ هذا الإمام حياته على العلم متعلماً ثم معلماً، حتى إنه كان يُدرّسُ خمسة عشر درساً في اليوم، كما شهد بذلك تلميذه الشيخ مبارك الميلي في جريدة “البصائر” في 28 / 1 / 1938 ص 2.
وعند تدشين مدرسة “دار الحديث” بتلمسان في سبتمبر 1937، قال الإمام محمد البشير الإبراهيمي لأخيه الإمام ابن باديس: “أخي الأستاذ الرئيس، لو علمتَ في القطر الجزائري، بل في العالم الإسلامي رجلاً في مثل حالتك، له يَدٌ على العلمِ مثل يَدِكُم، وفضلٌ على الناشئةِ مثلُ فضلكم، لاَثرتهُ دُونَكُم بفتح هذه المدرسة، ولكني لم أجد، فَبِاسْمِ تلمسان، وبِاسْمِ الجمعية الدينية بالخصوص أُناوِلُكُم المِفتاح، فهنيئاً للمدرسة أن تتشرف بذلك”. (مجلة الشهاب، أكتوبر 1937، ص 351).
جالت هذه المعاني كلها في ذاكرتي وأنا أشارك في مدينة قسنطينة في يوم السبت 10 / 10 / 2026 في قصر الثقافة مالك حداد، في يوم دراسي من تنظيم مؤسسة الإمام عبد الحميد ابن باديس بالاشتراك مع وزارة المجاهدين وذوي الحقوق.
كان هذا اليوم الدراسي تحت عنوان: «جهود الإمام عبد الحميد ابن باديس في مواجهة الفكر التغريبي وترسيخ الهوية والقيم الوطنية والتراث»، وقد عُقد هذا الملتقى بمناسبة “يوم المعلم”، وقد حضره مجموعة من الدكاترة من جيل ما بعد استرجاع الاستقلال من عدة جامعات جزائرية…
إضافة إلى رئيس مؤسسة الإمام ابن باديس الدكتور عبد العزيز فيلالي، ورئيس جمعية العلماء الأسبق الدكتور عبد الرزاق قسوم، ورئيس جمعية العلماء الحالي الدكتور عبد الحليم قابة، والرئيس الشرفي لجمعية العلماء، كاتب هذه السطور.
وقد سُرِرْتُ عندما رأيتُ كثيراً من أخواتنا يُجللهن وقار العلم، وتذكرتُ الجهد الذي بذله الإمام ابن باديس لإقناع الجزائريين بوجوب تعليم البنت، وكان آخر درس له قبل وفاته بثلاثة أيام للنساء، كما شهد بذلك تلميذه ومساعده الشهيد احمد بوشمال، ولهذا سُرِرْتُ جداً للمحاضرة التي ألقتها الدكتورة مريم طابلي من جامعة بومرداس عن: “الهندسة الوطنية للوعي: الإمام ابن باديس في مواجهة الاستعمار الثقافي”.