الجزائر
بات يستهدف الأطفال والأثرياء والأجانب

الاختطاف..ابتزاز واغتصاب وتصفية حسابات”

الشروق أونلاين
  • 15193
  • 23
ح.م

تحول الاختطاف في الجزائر إلى وسيلة ابتزاز ومصدر للربح السريع، باستعمال شعارات وسيناريوهات مضخمة، تحبكها عصابات وشبكات تستغل مسمى”الإرهاب” لتبرير الأعمال الإجرامية التي ترتكبها في حق الأبرياء من مختلف شرائح المجتمع، وبات الاختطاف في مجتمعنا إلى معول هدم للاقتصاد الوطني وتشويه صورة الجزائر في الخارج.

كشف تقرير لفدرالية الوكالات السياحية عن تراجع متزايد لإقبال السياح على الجنوب الجزائري بسبب عمليات الاختطاف التي تستهدف الأجانب، وبات الاختطاف أيضا شعارا تستغله الفتيات والأطفال للهروب من البيت والتحرر من رقابة الأهل،  ولعلّ القرار الذي اتخذته الجزائر في عدم دفع فدية للمختطفين ساهم في الحد من الظاهرة، خاصة بعد تبنيها شعبيا من طرف المواطنين الذين رفضوا الرضوخ لمطالب المختطفين في دفع الأموال، مثلما حدث في منطقة القبائل، التي نجح فيها السكان في تحرير عدد معتبر من المختطفين بتكافلهم واتحادهم وملاحقتهم للعصابات في الجبال والقرى والمداشر. 

 وبات اختطاف الأطفال والرضع لدواع تجارية هاجسا في المستشفيات التي زوّدت بكاميرات لمكافحة الظاهرة، ولازالت الجزائر تتذكر جيدا قضية “شيماء” وأخواتها، اللواتي اختطفن بدافع تصفية الحسابات بين الأقارب والجيران، وكم كشفت المحاكم عن ملابسات لقضايا اختطاف، تبين فيما بعد أنها عبارة عن عمليات هروب من البيت كانت تحدث تحت شعار الاختطاف. 

 

فيما يطالب الضحايا بإعدام الفاعلين في الساحات العمومية

الاختطاف من ظاهرة إرهابية… إلى تسوية الخلافات العائلية والحسابات الشخصية

لا تزال منطقة القبائل مع مدخل بداية العشرية الثانية للألفية الثالثة، تجني مخلفات الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر بداية التسعينات من القرن الماضي، بعدما توالت عليها سلسلة اللااستقرار، لتكون كل حلقة وليدة السابقة ولكل منها امتداد مع ما يليها، فمن الإرهاب للربيع الأسود وصولا إلى الاختطافات التي تمثل اليوم الشغل الشاغل للرأي العام المحلي. 

والمتتبع لملف الاختطافات منذ انطلاقه بمنطقة القبائل كمصدر تمويل جديد، اتخذته الجماعات الإرهابية لسد الثغرات المالية الناجمة عن تجفيف منابع التمويل الخارجي، يلاحظ ان الظاهرة أخذت مؤخرا أبعادا خطيرة، يتضح جليا صعوبة التعامل معها من قبل مصالح الأمن واحتوائهم لها، بعدما تحولت لوسيلة ينتهجها أفراد نفس الأسر لحل الخلافات المالية وقضايا الإرث، أو حتى الانتقام وتسوية الخلافات الشخصية، مع الاحتفاظ “بممارستها” تحت راية الإرهاب للإفلات من العقاب وإبعاد الشبهات. 

المجرمون يفرضون منطقهم ويؤسسون جمهورياتهم تحت راية الإرهاب

لتدخل بذلك ولاية تيزي وزو التي التقطت حديثا أنفاسها من التواجد الإرهابي، مرحلة جديدة في سلسلة اللامن المترصد بها، بعدما اتخذت الجماعات الإجرامية من نقص التغطية الأمنية ورحيل جهاز الدرك الوطني، خلال أحداث الربيع الأسود، عوامل مواتية لتأسيس “جمهورياتهم” وفقا لقانون تحدده طبيعة نشاطهم، لفرض سيطرتهم على مناطق لا يزال سكانها يئنون تحت وطأة الخوف والذعر المترصد بهم من قبل جماعات تنشط في الخفاء تحت راية الإرهاب. 

الخطر المترصد برجال المال والأعمال عند كل منعرج تحويه منطقة القبائل، أصبح اليوم واقعا   أسس لعهد جديد من الجريمة المنظمة بمنطقة القبائل، استمد قوامه من الحواجز المزيفة المترصدة بالأثرياء قصد تحقيق الربح السريع، وهو الوضع الذي اثر سلبا على خارطة التنمية في الولاية، بعدما هجرها المستثمرون المحليون منهم والأجانب، لتزداد الأمور تعقيدا مع كل حالة جديدة تسجل وأكثر خطورة بعد إقدام المختطفين على اغتيال بعض الضحايا خوفا من اكتشاف أمرهم. 

 

السكان يتجندون لتحرير المختطفين مع الالتزام لعدم دفع الفدية

بعدما توالت عمليات الاختطاف في ولاية تيزي وزو باستهدافها لأبنائها في مختلف المناطق، كسر سكان قرية اسناجن في افليسن سنة 2010 حاجز الصمت والخوف، بعدما باءت محاولات وتطمينات مصالح الأمن بالفشل،  ليخرجوا علنا ويواجهوا الإرهاب وجها لوجه في الغابات والأدغال، عقب اختطاف صاحب فندق بالمنطقة، حيث اتخذت خلية الأزمة حينها موقفا مثل إحدى المنعرجات الحاسمة في مسار الاختطافات في منطقة القبائل وهي عدم التفاوض مع الجماعات المتبنية لعملية  الاختطاف وعدم الرضوخ لمطلبها المتمثل في دفع الفدية، وهي الخطوة التي جنت ثمارها بعد فترة قضتها لجان القرى والأعراش في تمشيط أدغال المنطقة بقوافل قوامها عشرات السيارات ومئات الرجال، الذين خرجوا ليصرخوا بصوت رجل واحد:” كفانا رضوخا لوضع اللامن، كفانا للعيش تحت رحمة مستنزفي الأموال دون وجه حق، كفانا عيشا تحت هاجس الخوف  .. “، لتحذو باقي القرى والأعراش حذو هذه القرية التي حولت عدم التفاوض مع الجماعات المختطفة، لقضية مبدأ ورفع تحدي للجماعات الإرهابية وانتفاض ضد كل ما يمس بأمن واستقرار الولاية، في اغلب الحالات التي تلتها، حيث لا تكون عائلة الضحية هي صاحبة القضية، إنما المنقطة ككل تتجند في هبات شعبية تكرر رفضها القاطع لهذه الظاهرة.

إلا أن تبني هذا المبدأ واتخاذ الإجراءات الامنية المختلفة، لم يكبح عمليات الاختطاف ولم يحم المجتمع من خطرها الذي أصبح اليوم واقعا صعبا، بعدما تبنته العديد من شرائح المجتمع في تعاملاتها والمشاكل او الأزمات التي تصادفها، ليطالب اليوم ضحايا هذه الظاهرة بإعدام الفاعلين في الساحات العمومية حتى يكونوا عبرة لغيرهم، وهو المطلب الذي تتمسك به عائلة “حجو” بأزفون التي فقدت ابنها في عملية انطلقت في ظاهرها كاختطاف لتتضح بعدها أنها قضية تصفية حسابات.

  

ظاهرة الاختطاف بمنطقة القبائل

الضحايا بين تهديدات الإرهابيين بالتصفية والمتابعات القانونية

وجد الكثير من ضحايا ظاهرة الاختطاف بولاية تيزي وزو، أنفسهم تحتضنهم جدران السجون بعدما أطلقت الجماعات الإرهابية سراحهم، ليكونوا بذلك ضحايا لعمليات متطرفة تبنتها جماعات إرهابية أو إجرامية لأغراض مختلفة اغلبها تحقيق الكسب المادي، ومجرمين مسؤولين أمام المجتمع حين توجه إليهم أصابع الاتهام وتطلبهم العدالة عبر محاكم الجنايات بتهم تمويل الجماعات الإرهابية ودعمها.

قضايا مماثلة فصلت فيها كثيرا جنايات تيزي وزو، حين يمثل ضحية الإرهاب كجاني أمام السلطة العمومية، ليس لشيء سوى لأنه دفع ثمنا للحفاظ على بقائه حيا والنفاذ بجلده من أيدي الجماعات الإرهابية، التي تهدد بتصفية كل ممتنع عن الدفع مقابل تحريره، لتكون بذلك هي القاضي والجلاد معا.

وقد عالجت المحاكم قضايا كانت مصالح الأمن على اطلاع مسبق بقضية “الضحية المتهم” في تورطه “المتعمد المضطر” مع الجماعات الإرهابية، حيث يقوم أهل الشخص المختطف او المهدد بحد ذاته بإبلاغ مصالح الأمن بتلقيه تهديدات بالقتل عبر الهاتف وإجباره على دفع فدية مقابل استعادة حرية الشخص المحتجز او شراء حياة المهدد، إلا أنه ووصولا إلى خطوة تسليم الفدية يعود المعني حيا ليمثل أمام العدالة وتحديدا محكمة الجنايات ليواجه تهما ثقيلة بأحكام أثقل، حيث صرح المحامي “كمال ب” أن عقوبة المتورطين في تمويل الجماعات الإرهابية تتراوح بين 10الى 20 سنة سجنا نافذا وقد تمتد إلى السجن المؤبد.

ليتساءل الضحايا عن مراكزهم القانونية في هذه القضايا التي يكونون فيها ضحايا الأزمة الأمنية والمجتمع الذي يعاني منها.

 

سنوسي الياس الناطق باسم الوكالات السياحية:

اختطاف السياح ضرب السياحة الجزائرية في العمق

أكد الناطق باسم الفدرالية الجزائرية للوكالات السياحية إلياس سنوسي للشروق أن حوادث اختطاف السياح الأجانب في الجزائر ضرب السياحة الجزائرية في العمق، وساهم في ظهور حملة أوروبية لكسر السياحة الجزائرية، حيث حذرت عديد الدول الأوروبية رعاياها من السفر إلى الجزائر، وهذا ما شوّه صورة الجزائر على المستوى الدولي.

وقال محدثنا إن الإعلان عن خبر اختطاف سائح أجنبي في الجزائر قد يجعل آلاف السياح يمتنعون عن زيارة الجزائر ويلغون رحلات سفرهم وهذا ما يعرض الاقتصاد الوطني لخسائر فادحة، وكشف أن السياحة الصحراوية التي كانت تستقطب حصة الأسد في جلب السياح إلى الجزائر، عرفت تراجعا مخيفا في السنوات الأخيرة بعد سلسلة الاختطاف التي شهدتها الصحراء الجزائرية تحت شعار الإرهاب، ما دفع السلطات الأمنية لمنع السياح من زيارة عديد المناطق الأثرية والسياحية المعزولة، بالإضافة إلى اشتراط إرفاق جميع الوفود السياحية بعناصر للدرك الوطني بهدف تأمين الحماية وهذا ما قيد حريات السياح وأثار انزعاجهم

وأردف سنوسي قائلا “إن السياحة في أي بلد مشروطة بالأمن والاستقرار وحرية التنقل، وهذا مالم يعد متوفرا في عديد مناطق الجزائر بما فيها المناطق الجبلية والصحراوية، بسبب حوادث الاختطاف التي باتت ترتكب من طرف عصابات وشبكات تعمل على سرقة أموال الناس، وابتزاز الأجانب لطلب فدية”.


مختصون يحللون الظاهرة ويكشفون:

اختطاف الأطفال والقصر هدفه الثراء والابتزاز

يكون الأطفال والقصر في الغالب هم الشريحة الأكثر عرضة لجرائم الاختطاف، فبدءا من الرضيع ليث المختطف من مستشفى قسنطينة، شيماء، هارون وإبراهيم والقائمة طويلة من الأبرياء راحوا ضحايا نزوات وحشية، تصفية الحسابات، الرغبة في تحقيق مكسب مادي أو اجتماعي، كما هو الحال بالنسبة للعائلة التي اختطفت الرضيع ليث والتي كانت تحلم بتحقيق حلم الأمومة.

رئيس شبكة ندى: غياب التكفل بالمجرمين ضاعف حوادث الاختطاف

شهدت ظاهرة الاختطاف في السنوات الأخيرة تزايدا كبيرا داخل المجتمع الجزائري، والذي يكون في الغالب يمثل الشريحة الهشة التي يتم استهدافها في كل مرة حتى أضحى الأطفال وأولياؤهم يعيشون حالة رعب شبه دائم ويلازمون فلذات أكبادهم في كل تنقلاتهم بغية ضمان أمنهم وسلامتهم، غير أن دوافع الاختطاف وأسبابه تختلف من حالة إلى أخرى، حسب ما أكده رئيس شبكة ندى للدفاع عن حقوق الطفل، عبد الرحمان عرعار، في اتصال لـ “الشروق”، فبعضها مبني على نزاعات وخلافات عائلية سببها الزواج المختلط وآخر مرتبط بالجريمة وتصفية الحسابات ما يتطلب عملا أكبر وجهودا مضاعفة لوضع حد للظاهرة.

وحمل عرعار السلبية والفشل الاجتماعي المتفشيين في المجتمع الجزائري مع غياب التكفل بالمجرمين وشخصيتهم، ما جعل حالتهم النفسية متدهورة جدا، فمن الواجب على المنظومة الاجتماعية التكفل بهم جيدا وعلى مؤسسات الدولة أن تسهر على القيام بدورها. واستطرد رئيس شبكة ندى أن تهاون الأولياء في بعض الأحيان ولا مبالاتهم وغياب آليات الحماية في المجتمع والمدرسة يساعدان المجرم في تنفيذ مخططه، مضيفا أن الطفل المخطوف بعد استعادته يجب أن يحظى بعناية خاصة لتجاوز الصدمة

في حين، أوضحت محامية معتمدة لدى مجلس قضاء العاصمة، الأستاذة زهية  مختاري، أن هناك مشروع قانون فيما يتعلق بعقوبة الاختطاف صادقت عليه لجنة الاستشارات القانونية وسيعرض خلال الأيام القليلة القادمة على البرلمان للمصادقة عليه، يقضي بتسليط عقوبة الإعدام على مختطفي الأطفال القصر والذين يتبعون جريمتهم بالقتل، وتسليط من 10 إلى 20 سنة سجنا نافذا في حال تعرض المخطوف للتعذيب، واعتبرت الأستاذة مختاري الظاهرة في تزايد مستمر فقد عالجت محكمة الحراش في سنة 2004، 15 قضية خطف قصر في جلسة واحدة وهو رقم تضاعف في السنوات الأخيرة.

الأستاذة مختاري: مشروع عقوبة الخاطفين بالإعدام سيردع المجرمين

وأردفت المحامية أنه في حالة اختفاء الطفل وبعد بحث أهله عنه وتبليغ الضبطية القضائية لا يتم مباشرة التحري الا بعد مرور 24 سنة، أما في حال التأكد من وقوع حادثة الاختطاف وأكدها شهود، فالضبطية تباشر التحري فورا، مكملة أن المواد 326 و329 من قانون العقوبات تعاقب بالسجن من سنة إلى 5 سنوات كل من اختطف قاصرا، والعقوبة ستضاعف في حال تعرض الضحية للتعذيب، أما إذا كان أحد الوالدين فالعقوبة تكون من شهر إلى سنة.

مقالات ذات صلة