العالم
من مهزلة السيسي إلى مسخرة الأسد

الاستبداد يحاصر الثورة، ويغتال الحلم، ويصادر الديمقراطية

الشروق أونلاين
  • 6540
  • 58
ح.م

انتخابات مهما كان الثمن، ورغم أنف الجميع، والإقبال أسطوري منقطع النظير ولو ظلت المكاتب خاوية على عروشها، والصناديق مملوءة ولو لم ينتخب أحد، والفوز كاسح لمرشحي العسكر رغم أنف الجميع، تلك هي العناوين المشتركة بين انتخابات السيسي في مصر الانقلاب والقمع الدموي المتواصل، وانتخابات الأسد في سوريا الاقتتال والخراب والدمار الشامل..

في مصر قاطع المصريون الانتخابات باعتراف الانقلابيين وأتباعهم، مما دفع بسلطة السيسي إلى خرق القوانين وتمديد الانتخابات إلى يوم ثالث.. التمديد لم يغير من الأمر شيئا.. فصب إعلام الفتنة جام غضبه على الشعب المصري واتهمه بالخيانة والتخاذل.. وبعد حملة من العويل على العرس الفاشل والاعتراف بالخيبة، انبعث الجميع من رمادهم ليروجوا لأكاذيب بالجملة بأن الإقبال كان تاريخيا. وهكذا بين لحظة وأخرى تغير الخطاب جذريا فبدا الكذابون وكأنهم يتحدثون عن انتخابات أخرى غير التي قاطعها المصريون..

انتهت المهزلة فجاءهم الإيعاز بتغيير النبرة لأن يد التزوير سترتب الأشياء كما كان يجب أن تكون ووفق ما يرضي السيسي، فتحول العزوف إلى إقبال كثيف وانتقلت نسبة المشاركة من درجاتها الدنيا التي لم تتجاوز العشرة في المائة لتتجاوز الأربعين، وارتفعت حدة الكذب وشهادة الزور حتى طالت تزوير تصريحات ومواقف المراقبين الدوليين والصحافة الأجنبية التي أجمعت على أن الانتخابات كانت انتكاسة للسيسي وطعنا في نظامه..

فقد أكد المرصد العربي للحقوق والحريات، في تقريره النهائي عن انتخابات المصرية حسب ما نقلته شبكة رصد، أن نسبة التصويت الحقيقية لم تتجاوز  11.92% فقط. وأشار المرصد إلى أن هناك اتهامات دولية ومحلية أكدت عدم نزاهة الإجراءات الانتخابية لسلطات الانقلاب وعدم مصداقية النتائج، موضحًا أن تقريره مستمد من فريق عمله المنتشر في كافة محافظات مصر إضافة إلى مراقبين ومندوبين محليين..

في سوريا ومع بداية الاقتراع في الخارج كانت المسخرة أشبه بالمهزلة وتوحي أنها لن تكون أفضل منها على الإطلاق.. في أجواء من الفوضى العارمة انطلقت مسخرة الأسد في الكثير من العواصم.. لكن المتابعين من أزلام النظام أفرغوا ما في جعبتهم من أوصاف جميلة في تنميق العملية وتجميلها.. ولعل صورة تلك السيدة التي التقطتها إحدى القنوات الفضائية وهي تدلي بصوتها بأكثر من ورقة، في أجواء من الهرج والمرج وسوء التنظيم، اختصرت كل شيء، وعبرت عن الحقيقة عندما صرحت قائلة بأن الأمور على أحسن ما يرام، وعندما سألها المراسل :”هل انتخبت؟”، قالت:” نعم”.. “كم مرة؟” أردف قائلا، فردت عليه بعفوية وسعادة غامرة: “انتخبت ثلاث مرات”..

في لبنان الصورة تختلف بعض الشيء والسر في ذلك معروف لاعتبارات عرقية وطائفية بحتة لا علاقة لها بالديمقراطية والحرية.. في لبنان كان الإقبال كبيرا وبإيعاز وافتعال من حزب الله وفلول الشيعة والعلويين والمسيحيين السوريين الذين لجؤوا إلى لبنان.. فلبنان لا تزال الحديقة الخلفية لنظام الأسد بفضل سلاح حزب الله، الذي حوله إلى تهديد اللبنانيين وتخويفهم لنصرة الأسد ونظامه الدموي…

مسخرة الأسد مقرر إجراؤها على وقع الاقتتال والتفجيرات والبراميل في الثالث جوان القادم، وكل شيء مسخر لتقديم العملية على أنها عرس ديمقراطي تعددي جسد تمسك الشعب السوري بقائده البطل القومي بشار الأسد.. وإن كان لا أحد يصدق بأن شعبا يعيش تحت رحمة القصف والحصار والتجويع سيفكر في ممارسة ترف التوجه إلى مكاتب الاقتراع لينتخب رئيسا قتل أبناءه، وسجن أحباءه، واستحيى نساءه ويتم أطفاله، ودمر بناءه، وأحرق زرعه وأتلف أرضه.. إلا أن أدوات الاستبداد ستمارس الكذب والزور والبهتان على نطاق واسع لترقص على الجراح وتدوس على الأشلاء لتحول المأتم البائس إلى عرس خالص وحفل راقص..

تلك هي طبائع الاستبداد تتفنن في اغتيال الحلم، وهتك الحرية، واغتصاب الديمقراطية ومصادرة الإرادة الشعبية.. ومع ذلك تبقى الثورة مستمرة في مصر وسورية، لأن ثمة شعوب قررت أن تثور في وجه الظلم، وأرادت أن تعيش حرة.. سيحكم السيسي رغم أنف المصريين، وسيفوز الأسد مهما كان الثمن، لكن مصيرهما لن يختلف عن مصير أمثالهما من المجرمين..

مقالات ذات صلة