الرأي

الاستقالة الجماعية من الثقافة

صالح عوض
  • 1903
  • 0
ح.م

عندما ننفض الغبار عن مكتبتنا العربية الحديثة والقديمة نجد أن امتيازنا على الأمم والشعوب أننا أمة الكتاب والمسألة لا تبدأ فقط من جانب العلوم الدينية مع تنوعها ووسعها إنما سلكت دروبا عديدة في شتى العلوم والآداب ويصاب المرء بالدهشة لتنوع ما تم تسجيله في كتب العربية من أصناف تغطي مساحات تفصيلية متنوعة لحياة الإنسان والمجتمع والكون.. وفي العصر الحديث نهض الكتاب والتأليف والإعلام وكان لهذه النهضة الدور الرئيس في ثورات التحرر في الوطن العربي ومحاولات استعادة الحرية والأوطان.

واستمرت الكتابة والثقافة مزودا معنويا ومفسرا ثقافيا لكفاح الشعوب واستبصارهم في مرحلة من التطاحن مع الاستعمار الثقافي والعسكري والاقتصادي.. وبالنظر إلى حركات التحرر في وطننا العربي نكتشف كم كانت الأهمية للكتاب والثقافة. فمع الثورة الجزائرية وفي رحابها خرجت نماذج فذة: مالك بن نبي ومحمد ديب والطاهر وطار ورضا حوحو ومولود معمري ومبارك الميلي والطيب العقبي والبشير الإبراهيمي وكاتب ياسين وشعراء أفذاذ: مفدي زكريا ومحمد العيد خليفة وسواهم الكثير.. ومع الثورة الفلسطينية: أنيس الصايغ وصبري جريس والبرت حوراني وادوارد سعيد وهشام شرابي وعبد الوهاب الكيالي وغسان كنفاني، وشعراء أفذاذ: سميح القاسم ووليد سيف ومحمود درويش وتوفيق زياد وسواهم الكثير.. وهذه هي نماذج تتكرر في كل بلد عربي عاش مرحلة نضال سياسي واجتماعي وثقافي وعسكري ضد الاستعمار.

لقد كانت المعاني والتثقيف والتوعية وبث الروح المعنوية في الشعب والأمة في تلك المرحلة هي الأكثر بروزا تحمي ضمير الشعب ووعيه وتحقق وحدته حول أهداف محددة تهمه وتعلي من شأنه وتقرب تحقيق مصالحه.. فكانت صحيفة البصائر والشهاب والمقاومة الجزائرية والمجاهد وسينما الثورة وإذاعة الجزائر الحرة، كما كانت صحيفة فلسطين الثورة ومجلة الكرمل وفلسطين المحتلة وشئون فلسطينية ودراسات فلسطينية ودراسات إسرائيلية وسينما الثورة وصوت فلسطين.. فكنا إزاء عملية بناء ثقافي ينهض به المثقفون والكتاب والمؤلفون والموسيقيون والسينمائيون ببسالة منقطعة النظير فقضى منهم الشهداء والسجناء والجرحى والمنفيون.

نحن نعيش الآن حالة جذب خطيرة فعدنا بلا مفكر ولا خطيب ولا أديب ولا شاعر ولا روائي ولا عالم دين ولا فقيه.. المقصود هنا الإعلام وليس الإنصاف.. المقصود هنا الرواد وليس المتسكعين على الهوامش.. المقصود هنا حملة المشعل وليس المخربين الفتانين المفسدين لروح الشعب والأمة.

يبدو أن هناك استقالة جماعية من الثقافة ويبدو أن آخر همّ في المجتمع العربي هو الهم الثقافي في حين أن الصورة ماثلة أمامنا انه بغياب الثقافة الحية المحيية اصابتنا ثقافة المتنطعين المتألهين على الله يبثون فينا سمومهم وجهلهم وأحقادهم وأسافينهم وينشرون فينا ثقافة القتل والتفسيق والتكفير والإقصاء.. غابت ثقافة المقاومة وثقافة الكفاح فحل محلها ثقافة التخريب ونكاح الجهاد والضحاك القتال.

استقالة جماعية هناك أكثر من طرف يتحمل مسئوليتها وبعيدا عن توجيه أصبع الاتهام من الضروري الالتفات إلى الكوارث الحاصلة بمجتمعاتنا نتيجة غياب الأمل وفقدان اليقين وانتشار العنف والتمزق والتشتت.. استقالة جماعية من الكتابة والتأليف والأدب والفن عن تبني قضايا الأمة في الوحدة والنهضة ومواجهة المشاريع الاستعمارية القاضية بتخريب وعي الأمة لتقسيمها عرقيا ومذهبيا وجهويا.. استقالة جماعية، حيث تحول كثير من المثقفين إلى موظفين يزاحمون السياسيين على مواقعهم ومناصبهم ويتحزبون وينتكسون في عنصريات قاتلة فأفقدوا الثقافة عذريتها والأدب رسالته..

مقالات ذات صلة