منوعات
مهما كانت الأزمات والفضائح والكوارث

الاستقالة ..القرار الوحيد الذي لا يعرفه المسؤولون الجزائريون

الشروق أونلاين
  • 7999
  • 50
ح.م
الرئيس الألماني المستقيل

يقول مثل فرنسي لا يحبّ الفرنسيون تداوله كثيرا ..”إذا أردت أخذ الدروس فولّ وجهك شطر ألمانيا”، ويبدو أن ألمانيا لا تعطي الدروس للفرنسيين فقط وإنما للعرب والمسلمين وللجزائريين بالخصوص الذين يرفضون الاستقالة من مناصبهم رغم الفضائح التي تتهاطل عليهم وعلينا ورغم عشرات الآلاف من الاحتجاجات التي شلت البلاد وقطع الطرقات التي عاشتها الجزائر ومازالت لحد الآن.

 

والدروس لا تأتينا من ألمانيا القوية وإنما أيضا من أضعف بلاد العالم وحتى من دولة هايتي المجهرية التي خربها الزلزال منذ عام ونصف عام وقتل 200 ألف شخص، حيث قدّم أول يوم الجمعة رئيس وزراء هايتي الدكتور جاري كونيل البالغ من العمر 45 عاما استقالته بعد أربعة أشهر من تعيينه، واتضح أنه غير راض عن وجود مسؤولين ووزراء مزدوجي الجنسية أي الهايتية والفرنسية معا، فقرر الرحيل والعودة للدراسة وليس للتجارة، أما عندنا فإن استقالة السيد علي بن محمد من منصبه كوزير للتربية الوطنية سابقا تم اعتبارها سابقة من دون توائم، ولا أحد يعتبر   انسحاب الشاذلي بن جديد بالاستقالة ويصرّون على تسميتها بالإقالة ولا أحد يعتبر أيضا انسحاب اليمين زروال بالاستقالة وإنما يمنحوها اسما آخر.

 الرئيس الألماني كريستيان فولف لم يبلغ حكمه الشرفي لرئاسة ألمانيا أزيد عن العام ونصف العام، ورغم أنه لم يتورط في السرقة ولا في أي فضيحة باستثناء وعد بمساعدة أحد المستثمرين الكبار في ألمانيا، إذ شنت عليه الصحف الألمانية ومنها بيلد حملة وطالب الادعاء الألماني بمدينة هانوفر برفع الحصانة البرلمانية عنه وهو ما جعله يقرر الاستقالة بعد أن قيل له إن منصبك يحتم عليك أن تكون أشرف الألمان وأنت الذي تمثل الحزب الديمقراطي المسيحي، أقسمت بأن تحترم الدستور ولكنك خنته بهذا العمل فرمى الاستقالة رغم أنه ينتمي لحزب السيدة ميركل وكان ذراعها الأيمن وقدم درسا ألمانيا آخر.

بشار لن يستقيل حتى ولو نطقت الأرض التي يمشي عليها وتقول “إرحل”، وهي ليست المرة الأولى التي يستقيل فيها الأوروبيون من مناصبهم فقد استقال نيكسون الرئيس الأمريكي بعد فضيحة ويتر غايت الخاصة بتجسس الحزب الجمهوري على الحزب الديمقراطي بعد أن تم اكتشاف وسائل التصنت داخل البيت الأبيض الأمريكي، فخرج الرئيس قبل أن يصل المحاكمة، كما استقال شارل ديغول في عهدته الرئاسية الثانية وكان رئيس الجمهورية الخامسة الفرنسية، بينما لم يحدث أبدا في الدول العربية وأن تابع العالم استقالة مشرفة بل أن الهروب هو دائما الحل الوحيد بعد أن يثور الشعب على الحاكم، كما حدث مع زين العابدين بن علي وحسني مبارك، وما يحدث في سوريا يؤكد أن الرئيس بشار الأسد مستعد لأن يدافع عن منصبه ولن يستقيل حتى ولو رفضته الأرض التي يسير من فوقها ونطقت في وجهه .. إرحل، وهي الكلمة التي لا أحد يقولها في العالم الغربي لأنهم ليسوا في حاجة إليها.

 ويوجد الانتخاب الديمقراطي أو الاستقالة إذا شعر الحاكم أو الوزير ورئيس البلدية أنه لا يستطيع أن يقدم أي شيء لبلده وللحزب الذي وضعه على رأس القائمة، وحتى التنحي الشهير الذي قام به الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد فضيحة ونكبة عام 1967 التي أضاعت شرف العرب أمام كمشة من الصهاينة، اعتبر مجرد لعبة عنترية عاد بعدها الرئيس جمال عبد الناصر بقوة ليتحكم في زمام الأمور ليس على مستوى مصر فقط وإنما في العالم العربي بأسره بدليل أن جنازته في عام 1970 مازالت لحد الآن محطمة الرقم القياسي كونها أكبر جنازة في العالم والتاريخ بأزيد عن ستة ملايين مشيّع، وحتى في أمريكا اللاتينية صارت الاستقالة أسلوب حياة سياسي يتداوله الجميع، كما حصل مع الرئيس الأرجنتيني ريفادافيا الذي قال إنه لا يمكنه أن يقدم أشياء كبيرة لبلاده، والاستقالة في عالم الوزارة كبير جدا ليس في الدول التي تعرف أزمات اقتصادية مثل اليونان التي شهدت عشر الاستقالات في عام واحد أو إيطاليا في عهد برليسكوني، وإنما أيضا في الدول البعيدة عن الأزمات ومنها الدول الأسكندنافية، حيث بمجرد أن يقدم وزيرا دانماركيا أو سويديا استقالته حتى يقبل بالتحقيق الذي يزن ما عنده بعد الاستقالة مقارنة مع دخوله عالم السياسة وحمله للحقائب الوزارية، والغريب أنه خلال مباريات كأس العالم بمجرد أن تنتهي المنافسة حتى يرمي معظم المدربين ورؤساء الاتحاديات استقالتهم بعد أن يقدموا تقريرا عن الفترة التي حكموا فيها اللعبة أو سيروها، وتتم دراستها وفق مناهج بعيدة عن العاطفة التي تسيّرنا وتجعل الاستقالة عندنا مجرد لعبة حتى أن أحد رؤساء الأندية عندنا استقال هذا العام الكروي إعلاميا وأمام الملأ أكثر من عشر مرات برّر واحدة منها بأنها جاءت تحت الغضب وأخرى بأنه لا يقصد الكلمة بمعناها ثم قرر في أخرى أن يعود وقال إن المناصرين هم من ردوه.

في دول العالم الغربي بالخصوص وحتى في شرق آسيا وأمريكا الجنوبية وبعض البلدان الإفريقية صارت الاستقالة أسلوب حياة عادي حتى أن الصحافة تتحدث عن الفضيحة أو الزلة، وتقول إنها تنتظر الاستقالة ولا يطول الوقت حتى تظهر الاستقالة فعلا ويحوّل صاحبها للتحقيق بينما أصبحت عندنا موضة وأحيانا هروبا كأن يقدم رئيس بلدية بعد أن يستنزف خيرات بلديته الاستقالة حتى يقوم بأشغاله الخاصة بعيدا عن الأعين والرقابة وهناك مديرون كبار استقالوا وقُبلت استقالتهم وسافروا إلى الخارج بعد أن هرّبوا أموالهم أي أن الاستقالة عندنا هي في حقيقتها جريمة تضاف إلى جرائم بدأت بالاستيلاء على المنصب بطرق ملتوية وانتهت بتركه على قاعدة الأرض المحروقة، رئيس الحكومة الأسبق السيد عبد العزيز بلخادم عدّ أزيد عن خمسة آلاف احتجاج في أقل من علم في كامل الجزائر وفي بلديات غالبيتها تحت سلطة حكمه، والغريب أنه لا توجد استقالة واحدة حقيقية من رئيس بلدية أو رئيس مجلس شعبي ولائي تابع لحزب جبهة التحرير الوطني ولا استقالة من بقية الأحزاب وحتى رؤساء الأحزاب يرفضون الاستقالة ومنهم سعيد سعدي رغم الأصفار التي يتحصل عليها من مختلف الاستحقاقات الانتخابية، لتبقى الدروس الكثيرة تتهاطل علينا من كل المعمورة ولا أحد يتعض.

 

مقالات ذات صلة