الاعتذار هو الخطوة الأولى؟
هل سيكون قادة فرنسا في هذا الزمن تاريخيين وقادرين على وضع حد للكراهية التي صنعتها السياسة الاستعمارية تجاه الجزائر وشعوب إفريقيا..؟! هذه مسؤولية طبقة الحكم هناك كما هي مسؤولية المفكرين والمثقفين الفرنسيين والغربيين.. بالأمس فقط وقع في يدي كتاب “كراهية الغرب.. جذورها وسبل تجاوزها” لكاتبه المفكر السويسري الكبير جان زيغلر، فكان اللقاء بهذا الكتاب أسعد لحظات تمر بي على الصعيد الثقافي والفكري من زمن طويل.. لقد اطلعت على ملخص لكتابيه السابقين المهمين للغاية “امبراطورية العار” و”أسياد العالم الجدد”.. لكن هذا الكتاب أخذني بسرعة لموضوع كبير ومعقد ليعري الحقيقة بحكمة انسانية بالغة.. لقد أدهشني هذا الكاتب الألمعي بإنصافه وانحيازه للإنسان.. كما أذهلني سعة ثقافته وأسلوبه الأدبي الرصين وتقصيه للحقائق ورؤيته الكونية الفذة.
يتحدث الكاتب الكبير عن قهر الغرب لشعوب الجنوب على مدار خمسمائة سنة هي عمر الحروب الغربية ضد البشرية، ويشير بوضوح إلى إمكانية صحوة ذاكرة المجتمعات الإفريقية والعربية والهندية وسواها من الشعوب التي تعرضت لفتك حملات الإجرام الغربي، وسيكون حينذاك الصراع غير المفهوم والمواقف التي تعبر عن دفين الذاكرة المجتمعية.
ويعرض الكاتب إلى الإمبراطورية الفرنسية التي قامت على الأشلاء والجريمة في الجزائر والهند الصينية وإفريقيا، ويتحدث عن رفض الشعوب لعملية التذويب والإنهاء، ويتابع بهدوء كيفية تعامل الغرب مع الجنوب بسادية لا مثيل لها.. يكفي أن نعرف أن أكثر من عشرين مليون إفريقي قضوا موتا أثناء رحلات جلبهم عبيدا نحو أمريكا، وأن من يصل منهم هناك يتعرض لكل عمليات الإهانة والاستعباد.. وعلى خط آخر كان الاستعمار الذي دمر المجتمعات واستقرارها.. أي ان الغرب استخدم وسيلتين في عدوانه على الجنوب الاستعباد والاستعمار.
وهذه المسألة ليست فقط رهينة الذاكرة، ولكنه الواقع الذي يكشف إلى أي مدى يصر الغرب على توجيه الإهانة للبشرية واستعبادها ونهبها، كما هو واضح في إفريقيا وبلاد العرب، حيث لا يقبل أي نمط للحياة إلا الذي يراه هو مناسبا، فالغرب “ديمقراطي” في داخله إلى حد ما.. لكنه متطرف تجاه الآخر وعنيف ويحبس الديمقراطية عند حدوده. وهو يريد أن يملي على البشرية نظاما اقتصاديا وسياسيا وثقافيا يراه مناسبا. وكل من يعترض عليه من الشعوب وزعمائها التاريخيين يصنف في قائمة الإرهاب والتطرف.
ثم أية ازدواجية في المعايير والقيم يتبعها الغرب نحو العالم؟!.. ففي حين تبلغ موازنات الدول الغربية وأمريكا على رأسها أرقاما فلكية وتنتج أكثر أنواع الأسلحة فتكا وتستخدمها في أكثر من مكان، في الحين الذي ترفض أن يمتلك أي بلد من دول الجنوب أي سلاح استراتيجي وتدفع بالمنظمات الدولية لإصدار القرارات بمعاقبة كل من يحاول التطور وامتلاك أسلحة أو طاقة نووية.
ماذا يمكن أن ينتظر الغرب من العرب والمسلمين بل وكل الجنوب؟! إنه يغذي الكراهية في قلوب المستضعفين من العرب بممارساته المشهودة في العراق والصومال وليبيا وسوريا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وبدعمه غير المحدود للكيان الصهيوني القائم غصبا لحقوق شعب لا يزال مشردا.. وانه يغذي الكراهية بنهبه لثروات العرب والمسلمين وبحماية حكام جهلة مستبدين يتصرفون في ثروات الشعوب وبإذكائه روح الفتن داخلها في إفريقيا.. وانه بهذا يعزز ذاكرة الكراهية التاريخية لدى العرب والأفارقة والآسيويين والأمريكان اللاتينيين بما يفرضه عليهم من سياسات وينهجه من أساليب عدوانية تجاههم.
إن اعتذار الغرب عن الجرائم التاريخية والمعاصرة هي الخطوة الأولى لمعالجة موضوع الكراهية المترسخة في قلوب الشعوب في أمريكا اللاتينية وإفريقيا والوطن العربي والعالم الإسلامي.. ثم تبدأ عملية شاملة من التربية والإعلام في البلدان الغربية لصناعة مناخ يتناسب مع الحياة الإنسانية المشتركة على أرضية الإخوة الإنسانية، ثم مد جسور التفاهم والحوار والإيمان بمبدأ حق تقرير المصير للشعوب وحق الشعوب والمجتمعات أن تعيش كما تريد وفق هويتها وإرادتها الحرة بدون المساس بالآخرين.
إن انتفاضات المظلومين والمستضعفين في أنحاء المعمورة تتضاعف وتتجذر وتتطور وستكون بمثابة الجحيم الذي ينتظر العنصرية الغربية وستنهار إمبراطوريات العار في الغرب.
انه لغريب حقا أن يصاب قادة الغرب بمثل ما هو قائم في أفكارها وسلوكها من جحود وغرور وكبر، فيما هي ملوثة بكل أنواع الفساد والجريمة تجاه الجنوب المظلوم.. وبدون أدنى درجة من الحياء والإنسانية يلتقون للتخطيط للغزو والنهب والإفساد في حياة البشر وبطريقة واضحة تماما استخفافا بمشاعر مئات الملايين من البشر.