الافتتاحية: الحب في زمن الأحقاد
عبد الناصر
هل يحق لبقايا الرومانسيين عندنا أن يحتفلوا بعيد الحب والتفجيرات مازالت ترسم المآسي بين الحين والآخر؟ هل يحق لهم ذلك وقوافل “الحراڤة” من أعمار الربيع أحرقت كل السفن وصاحت “الغربة من أمامنا والغرق من خلفنا”؟هل يحق لهم ذلك والإجرام حوّل حياتنا رعبا بأطنان المخدرات التي تستنشقها رئات الشباب والشابات وخطف الرضع والأطفال تحول إلى مسلسلات “هيتشكوكية” من دون خاتمة؟
هل يحق لهم الإحتفال ببدعة القديس النصراني فالونتين والتنصير يشتري إيمان البسطاء والفقراء بأثمان بخسة؟! جميل أن يحتفل الشباب بالحب، والعمال بعيد الشغل وعامة الناس بدخول العام الجديد حتى ولو استوردت هذه الأعياد من أقصى البلاد، لكن الأجمل أن نأخذ من الفعل لبّه لا أن نحول الحب إلى مجون، فنجعل من مقتل القديس فالونتين يوما للحب وتاريخنا من “سمية” إلى “الشيخ ياسين” كله قوافل لشهداء حب الحق والحرية الذين رفضنا الإحتفال بحبهم الحقيقي وجعلنا من الإسلام مرادفا للدم وللكره وللأحقاد.
في هولندا يبيعون في عيد حبهم مئة مليون وردة حمراء في يوم واحد لأكثر من مئة بلد، وفي تايلندا يزاوجون ما بين الفيلة ويعلنون مصالحة مع هذا الحيوان، وفي كندا يغسلون شوارعهم بالصابون، فيتحول يوم الحب إلى فتوحات إقتصادية وبيئية وإنسانية، ونغرق نحن ما بين القشور والأحقاد.
لا يوجد شعب في حاجة للإحتفال بعيد الحب مثلنا، إحتفال فعلي لا يتوقف عند 14 من فيفري وإنما يعم كل الأيام، فيحب المعلم التلاميذ والصحافي قرّاءه والطبيب مرضاه والفلاح أرضه والبطال أمله في العمل، ويحب أويحيى “التجمع والوطن والديمقراطية” ويحب أبو جرة “الحركة والمجتمع والسلم” ويحب بلخادم “الجبهة والتحرير والوطن”.. حب حقيقي بعيد عن الذاتية التي جعلتنا للأسف نعيش سنوات الأحقاد ونعجز عن خطف يوم واحد للحب الحقيقي مع أن أرضنا حب وسماءنا حب وديننا حب وإلهنا حب وبدايتنا ونهايتنا حب.
”هم” اخترعوا الديناميت واستعملوه واخترعوا القنبلة الذرية واستعملوها واستعبدوا الشعوب، فحولوا حياة الناس إلى كره ثم اخترعوا يوما للحب للتسلية.
و”نحن” ذقنا من كل ألوان العذاب من أيديهم تاريخيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا ونعترف لهم بعيدهم، ونبينا حب وقرآننا حب وتاريخنا حب ومع ذلك نتقن في هذه الحياة كل شيء.. إلا الحب!!