-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تلاميذ يحملون المحافظ في عز موسم الاصطياف

الانطلاقة المبكرة للدروس الخصوصية ترهق التلاميذ وتستنزف الأولياء

سمير مخربش
  • 476
  • 0
الانطلاقة المبكرة للدروس الخصوصية ترهق التلاميذ وتستنزف الأولياء
ح.م

تحولت الدروس الخصوصية في الجزائر، من مجرد دعم إضافي كان يلجأ إليه بعض التلاميذ، إلى قاعدة أساسية وواقع مفروض لم يعد الكثيرون قادرين على الإفلات منه.
ولم يعد الحديث عن تعليم مواز فقط بل عن نظام يسبق ويواكب ويختم الموسم النظامي، والسبق هنا يعني انطلاق الدروس الخصوصية في عز الصيف والاصطياف والحر الشديد، وقبل حتى أن ينطلق الموسم الدراسي أو يتعرف التلميذ على مقرراته الجديدة، وسط حيرة وتساؤلات حول جدوى هذا السباق المبكر، ولعل الكثيرون لاحظوا نهاية الأسبوع الأخير في كل الولايات، شبابا وشابات يحملون حقائب الدراسة ويعلنون بداية موسمهم قبل البداية الرسمية.
الحقيقة المرّة، أن المدرسة النظامية بالنسبة لعدد معتبر من العائلات مجرد مكمل شكلي على أمل استرجاع جسر الثقة، بينما الرهان الحقيقي يتمحور حول الدروس المدفوعة التي يلهث وراءها الأولياء والتلاميذ على حد سواء، فلم يعد غريباً أن تبدأ الدروس الخصوصية في الجزائر قبل موعد الدخول المدرسي بأسابيع، مع سباق محموم أطلقه بعض الأساتذة منذ منتصف أوت، ليجد التلاميذ أنفسهم في مقاعد الدراسة بينما لا تزال الشواطئ تغص بالمصطافين.
فبدل أن يقضي هؤلاء المراهقون أيامهم في البحر أو مع العائلة، يجدون أنفسهم جالسين أمام سبورات وأقلام ملونة، يستمعون لشروحات مكثفة في مواد الرياضيات والعلوم والفيزياء وحتى فلسفة أفلاطون في عز الحرّ، وكأنهم على بعد أسابيع فقط من امتحان البكالوريا. هذه الصورة وحدها تختصر التحول الذي طرأ على الظاهرة، من خيار استثنائي إلى قدر جماعي فرضه أساتذة يسابقون الزمن لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الزبائن، وكأن الموسم الدراسي انطلق فعلياً منذ مدة.
لقد تحولت الظاهرة إلى عادة راسخة وإجبارية، تفرض منطقها بقوة، حيث باتت الدروس الخصوصية الأصل الذي يحدد مستوى التلميذ وفرص نجاحه، في مشهد يثير الكثير من التساؤلات حول ما بلغته هذه الظاهرة غير المقبولة بشكلها الحالي.

مغادرة الشواطئ لدخول سباق دروس “فائقة الخصوصية”
عينة عن الدروس الخصوصية المبكرة أخذناها من ولاية سطيف، حيث التقينا مريم، وهي تلميذة في السنة الثالثة ثانوي شعبة علوم تجريبية، فتقول في تصريح للشروق: “أشعر بأنني لا أملك خيارا وينبغي أن أركب الموجة، ولذلك قطعت العطلة وسجلت في الدروس الخصوصية لأخذ حصص في الرياضيات والعلوم والفيزياء منذ منتصف أوت.” تضيف وهي تبرر قرارها: “لو بقيت أنتظر بداية الدراسة الرسمية، سأكون متأخرة عن زملائي.
الأستاذ أقنعنا بأن البداية المبكرة تعني التقدم في البرنامج والتحضير المريح للبكالوريا”. لكن خلف هذه الكلمات يظهر ثقل نفسي ومالي تتحمله العائلات، خاصة حين تتعدد المواد، إذ يصل سعر المادة الواحدة إلى 3000 دج شهرياً، بينما تتضاعف الكلفة في حال اختيار حصص مصغّرة أو دروس فردية تفوق المليون سنتيم.
في حي شعبي وسط سطيف، يروي لنا السيد مراد، والد تلميذة مقبلة على شهادة البكالوريا، كيف باتت الدروس الخصوصية عبئاً يومياً: “أنا عامل بسيط، لكنني مضطر لتخصيص أكثر من 15 ألف دج شهرياً لدروس ابنتي، بين الرياضيات والفيزياء والعلوم واللغة الفرنسية. والمشكل أني أدفع كل هذا المبلغ دون أي ضمان للجودة أو المردود”.
غير بعيد عن هموم الأولياء، يظهر جانب آخر من القصة عند بعض الأساتذة الذين حولوا الظاهرة إلى “مهنة موازية”، بل إلى مصدر دخل رئيسي. يعترف أستاذ رياضيات، رفض الكشف عن اسمه، بأن الطلب الهائل جعل من الدروس الخصوصية “أمراً حتمياً”، قائلاً: “الأسرة اليوم تبحث عن النجاح مهما كان الثمن، والتلميذ نفسه يضغط على أهله. صحيح أن هناك مبالغة في الأسعار، لكن لا يمكن إنكار أن التعليم النظامي لم يعد كافياً، والأستاذ مطالب بإيجاد بدائل”.
أحد الأولياء يعترض على هذا الكلام ويقول هل البحث عن بدائل يعني فتح سوق موازية تلتهم جيوب العائلات في فترة تبدأ قبل الموسم الرسمي وتبقى مستمرة حتى بعد نهايته.

رحلة البكالوريا تتحول إلى ضغط مبكر
الظاهرة لا تقف عند الجوانب المادية فقط، بل تتجاوزها إلى تأثيرات نفسية عميقة، إذ تؤكد المختصة في علم النفس التربوي الدكتورة نورة بوعزيز أن: “إجبار التلميذ على الجلوس في القسم في عز العطلة الصيفية يضعه في حالة إنهاك مبكر، والدروس الخصوصية في عز العطلة تسلب التلميذ حقه في الراحة الذهنية الضرورية قبل عام مصيري كالباكالوريا. هذا الإرهاق المبكر يضاعف من القلق الدراسي، ويحوّل التحصيل إلى ضغط خانق بدل أن يكون دافعاً للتفوق”.
وبينما يرى البعض أن هذه البداية المبكرة تمنح التلميذ “أفضلية نسبية” في سباق البكالوريا، يطرح آخرون إشكالية المنافسة غير العادلة، حيث يُقسّم التلاميذ منذ اليوم الأول إلى فئتين: من يملك المال لشراء ساعات إضافية من التعليم والبدء قبل انطلاق الموسم الدراسي، ومن يكتفي بالمؤسسة التربوية.
هنا تتجلى خطورة الظاهرة، إذ تعيد إنتاج أشكال جديدة من التفاوت الاجتماعي، وتجعل النجاح الدراسي مرهوناً بالقدرة الشرائية أكثر من ذكاء التلميذ أو اجتهاده.
ومع هذه الشهادات والوقائع، يبقى السؤال مطروحاً: هل تحولت الدروس الخصوصية من “دعم اختياري” إلى “منظومة موازية” لها موسمها الخاص الذي يبدأ قبل الموسم الرسمي. وهل يمكن اعتبار هذه الانطلاقة المبكرة مجرد مبادرة استباقية، أم إنها انعكاس لانتهازية تربوية تستنزف جيوب العائلات وترهق كاهل التلاميذ.
في انتظار الإجابة، يبقى المشهد مثقلاً بالمفارقات: تلاميذ يحملون المحافظ في عز الصيف، وشواطئ تغص بالزوار، وأولياء ممزقون بين حرصهم على نجاح أبنائهم وقلقهم من نزيف الجيوب، كل هذا قبل أن تلتحق المدرسة الرسمية بالسباق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!