الانقلاب على انقلابٍ برايات كاذبة
في الوقت الذي تتنافس فيه الدول اليوم على تدبير عمليات إرهابية تحت راياتٍ كاذبة، لن يفاجئنا غدا لجوء الأنظمة إلى تدبير انقلابات عسكرية تحت راية كاذبة تحقق لها ما تحقق للرئيس التركي أردوغان من الانقلاب العسكري الفاشل، الذي منحه فرصة تدبير انقلابٍ مضادٍّ نفذه السلطان العثماني الجديد ضد خصومه بالجملة، من ظهر منهم ومن كان يتستَّر، حتى أن الانقلاب أصبح بعد ساعات من فشل فريق الهواة موعدا لبداية حملة تطهير لم يشهدها من قبل أيُّ انقلاب عسكري ناجح.
ساعات قبل بداية اندحار الانقلاب، كانت العواصم الغربية، ومنها واشنطن، تناور بخبث بتصريحات تدعو إلى ضبط النفس، دون أن تدين صراحة انقلابا كان يُنفذ ضد حكومة منتخَبة، في دولة حليفة في النيتو، لتتطور مع بداية ظهور مؤشرات الفشل إلى دعم محتشم للشرعية، ثم إلى تهديدات مبطّنة للسلطان المنتصِر تتوعده بحرمان تركية من العضوية في الاتحاد الأوروبي.
في مكانٍ ما، كان السلطان أردوغان مستعدا للانقلاب، فأرسل أنصاره من المدنيين لتعطيل سير الانقلاب، فيما وجّه أجهزة الأمن الموالية لصيد الآلاف من المعارضين في سلك القضاء، والنيابة، والإعلام، في مداهمات منظمة ومنسَّقة بقوائم مُعدّة سلفا، لم تترك شاردة ولا واردة من جيوب المعارضة إلا واقتادتها ليلا ونهارا إلى المعتقل، حتى إن بعضهم لم يستبعد أن يكون أردوغان هو من دبَّر الانقلاب، أو في الحد الأدنى يكون قد ترك للمنقلبين الحبل على الغارب قبل الانقضاض عليهم.
في بحر ساعات قليلة، انتقل أردوغان من ضحية يتربَّص به خصومُه في الإقليم ساعة الشماتة كما فعل بعضُهم مع صدام والقذافي، إلى جلادٍ يضرب بلا رحمة ذات اليمين وذات الشمال، يعِد بإعادة نصب المشانق للمتآمرين من الداخل، ويضمر مراجعة مفجِعة لقائمة الأعداء والأصدقاء على خلفية ما يعتبره خذلانا فاضحا من حلفائه في النيتو، إن لم يكن يتّهم في السر كبيرهم بالتدبير المباشر للانقلاب.
وإذا كان أردوغان قد خرج أكثر قوة في الداخل بعد أن منحه الانقلاب الفاشل فرصة تطهير المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية، فإنه يضمر لطائفة من حلفائه في النيتو أياما عصيبة، ومراجعة تركية لتسهيلات استفادت منها الولايات المتحدة ودول النيتو، قد بدأت بتجميد نشاط الطيران الأمريكي انطلاقا من قاعدة أنجلريك، وتنتهي بتفكيك منظومة الصواريخ الأمريكية الموجَّهة ضد الروس، خاصة وأن أردوغان كان قد استبق الانقلاب بتصفية الخلاف مع الروس، وملاطفة قادة الكيان الصهيوني.
يقينا أن الانقلاب الفاشل لم يفصح بعد عن أسراره من جهة التدبير كما من جهة الأطراف الخارجية التي تكون على الأقل قد وعدت بغضِّ الطرف، لكن فشل الإنقلاب يعِد حتما بمراجعة دراماتيكية لسياسة تركيا في الإقليم ومع الحلفاء في النيتو، وقد وضع حلفاء آخرين للولايات المتحدة في المنطقة، مثل السعودية، في حالة تأهب واستعداد، لأن الولايات المتحدة التي خسرت أصدقاءها العرب دون أن تكسب ودّ الإيرانيين المطلق، وتخسر اليوم أهم حليف لها في الشرق الأوسط بعد الكيان الصهيوني، لن تتردد في ضرب بقية الحلفاء وهي تودِّع موقع الريادة في الشرق الأوسط بلا رجعة.