الجزائر
يعيشون الحرمان من المهد إلى اللحد

البالغون من أبناء دار الطفولة المسعفة في مواجهة المجهول

الشروق أونلاين
  • 1225
  • 0
الشروق

لا يزال مصير المئات من خريجي دار الطفولة المسعفة، بعد وصولهم سن البلوغ، مجهولا ومهددا بالتشرد، في ظل انعدام قانون يحمي هذه الفئة الهشة، التي رمى بهى القدر في أحضان المجهول من المهد إلى اللحد.. سنوات لم تذق فيها هذه الفئة المحرومة الراحة والأمان، ولم ينج من بطش الزمن سوى القليل ممن ابتسم لهم الحظ، في كنف عائلات كفلتهم أو تبنتهم، لتبقى سن 18 بمثابة كابوس يصدمهم بواقع مر، أغلبهم يعيشون اليوم دون مأوى، بعد أن وقعوا ضحايا، فزواجهم يتطلب سكنا ومنحهم سكنا مرهون بزواجهم، هذا ما يقوله المسؤولون لهذه الفئة عندما تطالب بالمأوى.

في وقت تمنح سكنات لعزاب رجال ونساء، يعيشون في كنف أسر ويحصلون على سكنات اجتماعية لكرائها واستثمارها، في وقت يغض البصر عن أبناء الملجإ، الذين هم أحق من غيرهم في الحصول على سكنات دون ربطها بشروط تعجيزية كالزواج. فترى من يرضَ تزويج ابنته إلى من يعيش في العراء؟ ومن يرض أن يتزوج امرأة تفترش الطرقات؟ سؤال ننتظر أن يجيب عنه أصحاب القرار الذين كانوا وراء تشرد ياسر وسامية وغيرهم المئات، ممن يدفعون ثمن جريمة لم يرتكبوها يوما. 

في هذا الربورتاج، أردنا تسليط الضوء على فئة صنفت في خانة الطابوهات، في جرم لا ناقة لهم فيه ولا جمل، الكل يعلم ببراءتهم، لكن لا أحد يمد يد العون إليهم، لا مسؤول ولا مجتمع. وفي غالب الأحيان تتنكر لهم حتى العائلات التي تبنتهم، “إنهم أبناء دار الطفولة المسعفة البالغون”. هم من قال عنهم الرسول     صلى الله عليه وسلم: “أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما”. وهم جزائريون ينتظرون مد يد العون إليهم، والرأفة بحالهم، والرحمة في التعامل حتى مع أخطائهم، والأخذ بعين الاعتبار لحالة نفسيتهم المجروحة وحياتهم المحرومة معنويا وماديا. 

 

لا يملك قوت يومه ومطالب بدفع غرامة 150 ألف دج لبرلماني

“ياسر”.. استُغل سياسيا.. وتوبع قضائيا ويعيش دون مأوى بالبويرة

قصة “ياسر”، وصل صداها إلى مختلف ربوع الوطن، واستغلتها حتى وسائل الإعلام الأجنبية، شاب طموح، غدر به الزمن وجعله فريسة سهلة، في أيدي أشخاص استغلوه سياسيا. هي معاناة تعود بدايتها إلى أواخر التسعينات، عندما انتقلت والدته إلى الرفيق الأعلى. وفر بعدها والده إلى وجهة مجهولة، ليجد نفسه وهو ابن 12 من العمر، متشردا بشوارع البويرة، قبل أن تقوده طفولته البريئة إلى الجزائر العاصمة، أملا في حياة أفضل، غير آبه بالمجهول الذي ينتظره. وقد وجدته مصالح الأمن هائما بالشوارع تحت جنحة الظلام، ليتم اقتياده إلى دار الطفولة المسعفة بشوفالي، أين مكث فيها سنتين، ثم حول بعدها سنة 2002 رفقة أقرانه إلى البليدة، ثم برج بوعريريج، لتنتهي به رحلته مع عدم الاستقرار بدار الطفولة لعين العلوي بالبويرة، والتي تخرج منها سنة 2007، عندما بلغ سن 18، رفقة 7 أشخاص يجهل إلى غاية اللحظة مصيرهم. 

لا أم ولا أب، لا أخ ولا أخت، ولا حتى مجتمع يرحم، كانوا في انتظار “ياسر” ما بعد السن البلوغ، الذي رمي به في أحضان الشارع، ليكون فريسة سهلة، في أيدي الذئاب البشرية، ولقمة صائغة لدى أصحاب المصالح الضيقة، التي استخدمته في أجندتها السياسية خلال مختلف الانتخابات المحلية والتشريعية وحتى الرئاسية، مستغلة حاجته إلى حضن دافئ، ومسكن يؤويه، أو حتى عمل بسيط يسد به رمقه. وعلى الرغم من أنه لا يزال طيلة 7 سنوات يفترش الأرض وينتقل للعيش بين مختلف ورشات البناء ببلدية بشلول، مسقط رأسه، الواقعة شرق البويرة، إلا أن حسابات سياسية تحوله إلى بطل كلما دقت الانتخابات طبولها، ليقدم قربانا في آخر المطاف، ويتحول من ضحية إلى متهم مع سبق الإصرار والترصد. 

هذا هو الروتين الذي يتكرر في كل مناسبة، ليجد “ياسر”، اليوم نفسه متابعا بأربع قضايا، من بينها قضية الوشاية الكاذبة، التي رفعها ضده برلماني من البويرة، وأدين فيها بسنة سجنا موقوف النفاذ، مع دفع مبلغ 150 ألف دينار جزائري تعويضا للبرلماني، وهي القضية التي تعود حيثياتها إلى الانتخابات الرئاسية السابقة، أين ادعى ياسر آنذاك، عندما كان ينشط لصالح أحد المترشحين الأحرار، أن برلمانيا يقوم بالحملة لمترشح رئاسي منافس، قد اعتدى عليه وقام بضربه خلال عملية المراقبة، عند وقوف ياسر على حد قوله على تجاوزات، توحي بعمليات تزوير مسبقة، لكن سرعان ما غير ياسر أقواله، وظهر في إحدى القنوات الخاصة خلال نفس الفترة، نافيا أن يكون ما تحدث عنه من اعتداء حقيقيا، بل القضية مفبركة.. 

   إلا أن الأمر لم يشفع له لدى البرلماني الذي رفع قضية ضده، أدين إثرها بالسجن النافذ ودفع تعويض للبرلماني بـ 150 ألف دج. ياسر، وفي حديثه معنا، عن هذه القضية أثناء قيامنا بالربورتاج، أكد لنا وعلى حسب تصريحاته، أنه قد تعرض فعلا للاعتداء من البرلماني، لكن ضغوطات وتهديدات تلقاها من أطراف أجبرته على الإطلال في قناة خاصة وإنكار الحادثة في تصريح قال فيه إن القضية مفبركة، حسب ادعائه. (للإشارة جريدة “الشروق”، وفور انتشار خبر الاعتداء خلال الحملة الانتخابيه الرئاسية اتصلت بالبرلماني المعني بالاعتداء، فأنكر وقتها جملة وتفصيلا أن يكون قد اعتدى على الشاب).

ومن هنا، أصبح ياسر نجما يسطع في سماء السياسيين والحركات المحسوبة على المعارضة، فبعد الأحزاب السياسية جاء الدور على حركة بركات، التي جعلت من ياسر صاحب القرار بولاية البويرة، وهو ما ورطه في ثلاث قضايا، توبع فيها بتهم التحريض على الشغب، التجمهر غير المرخص، إثر مشاركته في وقفات احتجاجية لحركة بركات بالبويرة، ناهيك عن تهمة تكوين جمعية أشرار والعصيان المدني والتحريض على الشغب، التي توبع فيها بعد إنشائه لحركة غير معتمدة أطلق عليها اسم “أحرار البويرة”. وهي النقطة التي أفاضت الكأس وأفقدت ياسر حريته وحطمت ما تبقى في حياته من أمل.

 

حلم بأن يكون سياسيا أومخرجا فوجد نفسه مغتالا معنويا

وهكذا، حلم “ياسر” في أن يكون مخرجا مسرحيا ورجلا سياسيا تبخر، وتحول إلى متابعات قضائية جعلته تحت مجهر مختلف السلطات ووقفت حائلا أمام توفير حياة هادئة له، تحت سقف يؤويه وعملا يتقوت به. ياسر حولته ظروفه إلى معارض، بعدما تنكرت له الدولة فور وصوله سن البلوغ، وجعلته هائما في الشوارع، وأصبحت حقوقه كجزائري مرهونة بمواقفه السياسية التي قد لا تكون نابعة من قرارات نفسه ولكن جرته معاناته إليها جرا..


رمتها مربيتها.. طردها مركز بئر خادم وتنكر لها المسؤولون

حفيدة غير معترف بها لشخصية نافذة بالبويرة تنام في كشك وتبيع السجائر

بعيدا عن بلدية بشلول الشرقية، أخذتنا خطوات البحث عن معاناة البالغين من فئة أبناء الطفولة المسعفة، إلى الجهة الغربية للولاية، أين حططنا الرحال ببلدية عين بسام، ولم يكن صعبا علينا الوصول إلى سامية، صاحبة 27 عاما.

هذه المرأة الحديدية التي دفعتها الظروف إلى مزاحمة الرجال في مهنة كانت حكرا عليهم، وهي بيع السجائر. حظوظ سامية في أن تعيش ببلدية محافظة، رغم أنها ليست من أبناء المنطقة، أنقذتها من بطش الذئاب المفترسة، حيث ساعدها أبناء عين بسام في بناء كشك، اتخذته في الليل مأوى، وفي النهار مصدر رزق تبيع فيه السجائر. طريق فضلت سامية أن تسلكه، لتعيش بكرامة، بعدما وجدت نفسها في الشارع، الذي كان مقدرا عليها منذ أن تخلت عنها والدتها بعد ولادتها بمستشفى عاصمة البويرة، ومنحتها اسمها، قبل أن تتبناها امرأة بعين بسام. وحسب حكاية سامية لـ “الشروق”، فإن حب مربيتها لها، التي أخبرتها وهي في 5 من العمر، أنها وجدتها مرمية أمام مسكنها، انطفأت شمعته مباشرة بعد بلوغها 6 سنوات، عندما اكتشفت فجأة من تكون عائلتها الحقيقية، إثر استعدادها للدخول المدرسي، حيث وبعد استخراجها لشهادة الميلاد التي منحها لها بالصدفة شخص يعمل بالبلدية، تعرف على لقب أمها وأوصلها إلى عائلة والدتها التي تنكرت لها ورفضت الاعتراف بها، إلا أنها لم تبخل عليها بإبلاغها عن اسم والدها الحقيقي.

ومن ثم فتح على سامية باب العذاب، بعد أن اتضح أنها من عائلة معروفة في المجتمع البويري، وهي حفيدة شخصية معروفة محليا بمشاركاتها السياسية والاجتماعية، لكن العائلة لم ترأف بحال سامية، وقد طردت شر طردة، فقط لأنها طالبتهم بمنحها اسما حتى تعيش بكرامة.. بعذاب ودموع وابتسامة وتحدّ، حكت لنا سامية قصتها المؤلمة، في مجتمع لا يرحم المرأة الضعيفة التي لا حول ولا قوة لها، حتى القضايا التي رفعتها سامية في المحاكم لإثبات نسبها لم تجدِ نفعا، وكل مساعيها إلى الحصول على سكن أو عمل باتت مستحيلة، وكأن المجتمع يوجه أصابع الاتهام إلى سامية قائلا: “لماذا تطالبين بحقك وأنت ابنة خطيئة”، “عليك أن تتحملي مسؤولية والديك، كان يجب عليك أن تمنعيهما، لماذا رضيت بأن ينجباك”.. بهذه الكلمات أبت سامية إلا أن تفتح حديثها معنا، كلماتها كانت مبعثرة تحكي تارة عن عائلتها الحقيقية التي قامت بتهديدها إن عاودت الاتصال بهم، وتارة أخرى عن مربيتها التي ذاقت معها الويل، ضرب وعذاب، استغلال وإهانات، حسب رواية سامية، جعلتها تضيق ذرعا، وجعلها تتمرد رافضة أن تعود إلى زمن العبودية، وهي في ريعان شبابها، في وقت كانت مربية سامية ترى أن هذه الأخيرة قد خرجت عن طوعها، فأودعت شكاوى ضدها، انتهت بتصنيف سامية وهي ابنة 17 سنة، آنذاك بأنها خطر معنوي، وتم إيداعها مركز إعادة التربية ببئر خادم لمدة سنتين، حتى وصلت سن البلوغ المحددة بالنسبة إلى المرأة بـ 19 سنة. كانت سامية تود أن يتم تمديدها إلى آخر العمر، حتى لا تعود إلى الشارع، لكن القانون يصبح فوق الجميع، عندما يتعلق الأمر بالفئة الهشة، وتجري الرياح بما لا تشتهيه السفن، لتجد سامية نفسها من جديد تسبح في بحر من الضياع، أوصلها إلى آمنِ مرسى في نظرها، هي بلدية عين بسام التي تربت وترعرعت فيها، وقد كان تفكيرها صوابا، فقد وجدت العزاء لدى شباب المنطقة، الذين رأفوا بحالها، ووقفوا معها وقفة الرجل الواحد، وساعدوها معنويا.

 وتقول سامية إنها فقدت الأمل في أن يكون لها اسما وعائلة، بسبب نقص حيلتها أمام ما تتمتع به عائلتها الحقيقية من سلطة، وحتى أملها في العثور على مأوى، بات من المستحيل على الرغم من أن حكاية سامية التي تعيش أمام مرأى السلطات المحلية بعين بسام، ويعرفها الكبير والصغير، لم تشفع لها في الحصول على سكن بعد قضائها سنوات بالشارع تم خلالها توزيع مئات السكنات الاجتماعية إن لم نقل الآلاف، لم يكن لسامية فيها نصيب، فقط لأنها امرأة ضعيفة، تنكرت لها عائلتها والمجتمع، ومن تكون سامية في نظر من في يدهم القرار، سوى ضحية يفرضون عليها جبروتهم وتهميشهم، في ظل غياب قانون يحميها… وتبقى سامية هي الأخرى دون مأوى تنتظر الفرج.. فهل ستجد صرخة سامية صدى أم ستبقى في طي النسيان.

هي وقائع وأخرى ورغم تحفظ الجهات المعنية في مساعدتنا للوصول إلى البالغين من أبناء الطفولة المسعفة، إلا أن الواقع المرير لهذه الفئة، لا يخفى عن أحد، في ظل تخلي الدولة عنهم في سن حساسة يصنفها القانون في خانة البلوغ، في مجتمع تنتشر فيه مختلف الآفات الاجتماعية، ويتطلب تسليط الضوء على الشباب في هذه المرحلة التي تغدر حتى بمن يعيش في كنف عائلته الحقيقية التي تغمره بكامل الحب والحنان، فما بالك بهذه الفئة المغلوبة على أمرها التي تجد نفسها عرضة لمختلف الطابوهات والاتهامات، دون أن يشفع لها واقعها المرير.. فمتى ستشرق شمس هؤلاء اليتامى.

مقالات ذات صلة