البطولة المحترفة والثروة المحترقة
أخيرا وضعت حرب الكرة أوزارها وعاد جنودها في عز جويلية إلى قواعدهم غير سالمين، وأنهت البطولة المحترفة أولى حلقاتها دون أن تبدأ أصلا في مخاض عسير فيه الكثير من الشغب والبزنسة والقليل جدا من الاحترافية، مع حرق للمال العام والخاص مقابل مستوى باهت لم يلد لنا موهبة واحدة تبرر هذا البذخ وهذا الكلام الذي أنفقناه على أولى البطولات المحترفة.
-
وإذا كان أصعب ما في المشاريع الكبرى والجديدة هو بداياتها فإن الانطلاقة المتعثرة تعني أيضا فشل المشروع وتؤدي إلى ضرورة تغيير القائمين عليه أو توقيفه نهائيا، بعد أن فلتت الأمور بشكل مريع وأصبحت تجارة نتائج المباريات تُمارس على قارعة الطريق كما تمارس تجارة بيع البطيخ؛ متحدية الأخلاق والروح الرياضية وبالخصوص الملايين من الذين جعلوا الكرة القدم متنفسهم الوحيد الذي يمارسون فيه قول ما لا يمكنهم قوله على منابر أخرى.
-
المنطق يقول إن أي مشروع جديد أو أي تغيير في أي منافسة لابد وأن يحمل ما هو أفضل لأهله ولمتابعيه وللبلد عموما، ولأننا فقدنا القدرة على التقييم والجرأة على الاعتراف بالأخطاء، فإننا جميعا مُدركون بأن البطولة الكروية المحترفة وُئدت في مهدها على طريقة الثورة الزراعية في السبعينيات وخوصصة المؤسسات في عهد الوزير الأول الحالي، ومع ذلك فضّل القائمون على الكرة والذين حرّروا صكوك ملايير الخزينة العمومية لمختلف الأندية أن يسارعوا إلى أخذ عطلتهم على أن يواجهوا طوفان علامات الاستفهام الذي جرف كل الأمنيات الجميلة لدخول عالم الاحتراف في عالم الكرة قبل التفكير في عوالم أخرى.
-
رؤساء الأندية الذين تسلموا صكوك الاحتراف من الدولة وإعانات مليارية من الولايات والبلديات ومديريات الشباب والرياضة وهبات الخواص الطيبين والبلهاء؛ أحرقوا هذه الأموال في سلعة بدت مع مرور الأسابيع غير صالحة للاستهلاك، وجميعهم من دون استثناء تحدثوا عن عمليات بيع وشراء للمباريات دون أن تجرهم ألسنتهم إلى التحقيق كمتهمين أو ضحايا أو على أقل تقدير كشهود في عالم تعفّن وطالت عدواه جمهور الكرة الذي مارس هو أيضا الممنوع وجعل من ملعب الكرة ماخورا لا يرتاده المحترمون من أفراد المجتمع، وليت الملايير التي دخلت خزائن هذه الفرق أعفت أصحابها من التسول أمام أبواب المسؤولين المحليين، وليت هؤلاء المسؤولين أغلقوا أبوابهم وأوقفوا نزيف المال الذي تبخر في مشروع لم يُمكّن هذا الموسم أي فريق جزائري من التألق على مستوى القارة الفقيرة، فكان أوائلنا يسقطون مثل أوراق الخريف أمام أواخر العالم وأمام لاعبين أفارقة لا يأكلون حتى يجوعوا وإذا أكلوا لا يشبعون.
-
هناك فرق صرفت أكثر من مائة مليار من المال العام وليس من مال رئيس النادي طبعا، وهو ما لم يُصرف على مؤسسات صناعية أفلست لأجل إنقاذها وإنقاذ عمالها، وهناك لاعبون بلغت مرتباتهم الشهرية مائتي مليون وأمضوا أوراق اعتمادهم مقابل مليارين ومع ذلك لم نشاهد شبه فريق واحد ولا شبه لاعب واحد، فمرت أسابيع البطولة المحترفة مثل البطولات المحترقة في مسلسلات الكارتون الطويلة أو روايات أغاتا كريستي وستيفن كينغ التي ينساها مشاهدها أو قارئها مع آخر مشهد أو آخر كلمة.
-
الكل مقتنع بأن البطولة المحترفة كانت مجرد حرق للمال العام وللوقت، والكل مقتنع بأن معظم اللاعبين تحولوا إلى بضاعة مزجاة “بمعناها القرآني”، والكل مقتنع بأن معظم رؤساء الأندية سماسرة، الرياضة هي آخر اهتماماتهم فذهب المال والجهد والوقت واحترقت الأعصاب.. والكل صامت!؟