الرأي

البكالوريا‮ ‬بالشكارة‮!

جمال لعلامي
  • 3837
  • 8

اليوم، ليس يوما عاديا لنحو نصف مليون تلميذ ومترشح، وهذا الرقم يُمكن أن يُضرب عدّة مرات، ليصبح بالملايين، التي تمثل عائلات وأفراد وجماعات، مازالوا ينظرون إلى البكالوريا كـ”شهادة العمر” التي بها تـُفتح الأبواب التي بالإمكان صدّها في وجه من لا يحمل هذه الوثيقة‮ ‬العلمية‮!‬

لكن، بالمقابل، هناك من يردّد في السرّ والعلن: “ياو ألـّي قرا قرا بكري”، معتقدا أو متوهما بأن التجارة والبزنسة والأعمال وحتى “التنشنيش” وأحيانا السطو واحتراف “التشيبا”، أرقى وأبقى من شهادة لا يتردّد متحاملون ومتطاولون على القول: “شمّخها وبخـّر بيها”!

 

نعم، العلم نور والجهل ظلام، واطلبوا العلم ولو في الصين، وإنّما يخشى الله من عباده العلماء، لكن ألم يُهن حملة الشهادات والبكالوريا والليسانس والمتعلمون والأساتذة والدكاترة، ومنهم من أكلت العصيّ ظهره، لأنه طالب بحقه المهضوم من طرف ما لا يعطي الأجير أجره حتى وإن‮ ‬جفّ‮ ‬عرقه‮!‬

للأسف، ومن العار، أيضا، أن يتفوّق “الباندي” على الدكتور، ويُنافس الجاهل مـُتقن 7 لغات، وهنا لا يجب أن يُفهم الأمر عن طريق التأويل على أنه دعوة إلى احتقار شريحة من المجتمع ينبغي احترامها وإنصافها، فقديما قالوا: “أعطيهلي فاهم والله لا قرا”!

علينا جميعا أن نعترف بأن “القاري” في الجزائر “محڤور”.. محقور من طرف الحكومة، ومحقور من طرف الشعب، ومحقور من طرف الإدارة، ومحقور من الأحزاب، ومحقور أيضا من قبل المدرسة والجامعة التي تخرّج منها وسلمته شهادة تخرجه وإنهاء دراساته العليا!

ألم‮ ‬تستوزر‮ ‬الحكومة‮ ‬في‮ ‬زمن‮ ‬الغفلة‮ ‬وزراء‮ ‬وفق‮ “‬شهادات‮ ‬شرفية‮”‬؟‮ ‬وألم‮ ‬يُسقط‮ ‬الشعب‮ ‬حملة‮ ‬شهادات‮ ‬جامعية‮ ‬في‮ ‬الانتخابات؟‮ ‬وألم‮ ‬ترفض‮ ‬الإدارة‮ ‬ملفات‮ ‬إطارات‮ ‬جامعية؟‮ ‬وألم‮ ‬تعزل‮ ‬الأحزاب‮ ‬قيادات‮ ‬علمية؟‮ ‬

نظير هذه “الحڤرة”، لم تتمكن عديد الكفاءات من ولوج الحكومات المتعاقبة رغم عشرات التعديلات الوزارية، كما فاز في الانتخابات التشريعية والمحلية المتكرّرة، “البڤارة” وأصحاب “الشكارة”، وظلّ العاجزون داخل الأحزاب يريدون استغلال الطاقات وأصحاب الشهادات المحالين على‮ ‬الصفّ‮ ‬الأخير‮!‬

تبعا لهذه المعطيات وغيرها لا يعدّ ولا يُحصى، من الطبيعي أن “يكره” الكثير من دعاة العلم، البكالوريا والليسانس والدكتوراه والأبحاث العلمية، وعلوم الفلك والنووي والآداب والرياضيات والتكنولوجيا، ولا يفكرون في جوائز نوبل ولا يتذكرون ابن سينا والفارابي وابن بطوطة‮ ‬وعباس‮ ‬بن‮ ‬فرناس‮ ‬ونيوتن‮!‬

أتذكـّر أننا في الزمن الجميل، زمن النوعية عوض الكمية، وكلّ المتخرّجين من المدرسة الأصيلة، كيف كان المعلم أو الأستاذ حين يسأل التلميذ وهو في بداية مشواره الدراسي: ماذا تريد أن تكون مستقبلا؟ فيُجيب التلميذ بكلّ براءة وبراعة: طيّار، طبيب، صحافي، إمام، ضابط، قاض،‮ ‬وزير‮.. ‬وغيرها‮ ‬من‮ ‬الوظائف‮ ‬المحترمة‮ ‬والمفيدة‮.‬

لكن، الآن، في زمن التعاسة والبؤس وضحالة الأفكار، وفي زمن المظلومة التغبوية، التلميذ يُجيب عن نفس السؤال: بزناسي، سمسار، سرّاق، مهرّب، تاجر مخدرات، مافيا.. وغيرها من “المناصب” والمهن التي لا تؤمن بالعلم وتكفر بالأخلاق والقانون، فهل عرفتم لماذا ساد الاعتقاد بأن‮ “‬ألـّي‮ ‬قرا‮ ‬قرا‮ ‬بكري‮”‬،‮ ‬وتكاثر‮ ‬دعاة‮ ‬البكالوريا‮ ‬بالإنقاذ‮ ‬وتسييس‮ ‬النتائج؟‮!‬

مقالات ذات صلة