الدكتور فتحي التريكي عضو مجلس الثورة التونسية للشروق:
التجربة الجزائرية مستبعدة في تونس وفزاعة الإسلاميين انتهت
يمثل الدكتور فتحي التريكي علامة فارقة في الفكر التونسي المعاصر، فهو رئيس كرسي اليونسكو للفلسفة بجامعة تونس وصاحب مؤلفات عديدة في الفكر والفلسفة. في كتاباته التي رافع فيها لصالح إرساء ثقافة الاختلاف والتنوع توقع حدوث التغيرات التي عرفتها تونس.
-
في هذا الحوار يقرأ عضو مجلس الثورة في تونس اللحظة التونسية ويرى أن التيار الإسلامي لا يشكل خطرا على الممارسة السياسية في تونس، لأن البعبع الإسلامي كما يرى التريكي لم يعد يخيف إلا الذين يستعملون العنف للوصول إلى السلطة، كما يعرج المتحدث على أسباب فشل الديمقراطية في العالم العربي.
-
تعتبرون ان الحداثة تبدأ من اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان في التفكير بطريقة مغايرة عن أبيه، في رأيك لماذا فشلت المجتمعات العربية حتى الآن في التفكير خارج ثوب الآباء؟
-
لا نستطيع ان نتحدث عن إخفاق الحداثة في العالم العربي، وهو الذي أنتج كما هائلا من الإبداع والعلوم، ولا يمكن اعتبارها مجتمعات جامدة وخارج فكر التطور لأن الحداثة فينا والصراعات بين الثقافات المهيمنة وغيرها أمر حتمي وطبيعيي، لكن الذين فشلوا هم المفكرون العرب الذين لم يتمكنوا من تكييف معطيات الحداثة مع مجتمعاتهم، أما فشلنا في تطبيق الديمقراطية فلأننا نسعى للاستنساخ النماذج الغربية دون الأخذ بعين الاعتبار المعطيات الداخلية.
-
استنادا على هذا ونحن نعيش ربيع الثورات العربية، هل تعتقدون أنها ستفضي إلى ديمقراطية حقيقية في العالم العربي؟
-
لأول مرة في العالم العربي ظهرت إرادة صريحة للتغيير، لأن التغيير في العالم العربي كان دائما وأبدا يأتي من فوق، سواء عن طريق الانقلابات العسكرية أو عن طريق نخب ولكن عبارة “الشعب يريد” أعادت الكلمة والقوة للشعب، وهي ظاهرة صحية تفيد أن الشعب يتجه إلى التحرر والحريات وأضحت عبارة الشابي “إذا الشعب يوما أراد الحياة” تعني كل المجموعة التي تعيش حالة اضطهاد وأفادت الشعب التونسي والمصري واليمنى والسوري وحتى في ألبانيا وغيرها… الثورة التونسية أعادت مفهوم الشعب إلى الظهور منذ الثورة الفرنسية وأثبتت أن هذا المفهوم لم يمت كما ادعى الماركسيون الذين عوض مفهوم الشعب بمفهوم الطبقات.
-
الثورة التونسية أعادت أيضا إلى الواجهة مفهوم الاستقطاب، فإلى وقت قريب كان المشرق هو المحور، والمغرب العربي مجرد تابع، لكن تونس أثبتت أن المشرق ليس بالضرورة قائد الخريطة العربية؟
-
لم ندرس بعناية كل معطيات التاريخ الحديث للمغرب العربي وخاصة تونس، لأن معطيات الحداثة لم تنشأ في مصر لكن في تونس، أقول هذا وأنا أتحمل المسئولية فيما أقول، ومخطئ من يقول بأن الحداثة جاء بها نايلون إلى مصر، لأنه لا يمكن لاستعمار دولة لدولة أن يأتي بحضارة. في تونس ولأول مرة تم بناء دستور وطني في1861 وهو أول دستور في العالم العربي ومن أفضل الدساتير الموجودة في العالم، لأنه يعطي حقوقا للأجانب تماثل حقوق المواطنين التونسيين، وهذا ما يزال حلم الكثيرين في فرنسا والعالم، كما منع الرق في تونس قانونيا قبل الولايات المتحدة وقبل مصر، وأول أكاديمية تكنولوجية في العالم العربي كانت في “الباردو” في تونس في 1958، وهي التي أنتجت النخبة المثقفة التونسية، وأول كتاب أسس للحداثة العربية صدر في تونس وهو لخير الديني التونسي “أقوام المسالك” الذي حدد ووضع قيم الدولة الحديثة والثورة التونسية اليوم كانت سباقة، لأنها أنتجت المنهج والطريق وإذا نجحت تكون أول ثورة قضت على العولمة وفندت أطروحات فكوياما في” نهاية التاريخ” وصموئيل هتينقتن في “صدام الحضارات” الذي نفى إنتاج القيم الكونية عن المجتمعات العربية والإسلامية.
-
-
على ذكر الإسلام، يتخوف البعض وصول الإسلاميين إلى السلطة في تونس، خاصة مع تصريح وزير الداخلية الأسبق الذي صرح بإمكانية حدوث انقلاب إذا ما وصل هذا التيار إلى الحكم، كيف ترى أنت دور هذا التيار في الحراك السياسي التونسي؟
-
كنت دائما أقول حتى عندما كان الإسلاميون يقبعون في سجون بن علي أنه لا خوف من الإسلاميين طالما كانوا هم على استعداد للتحاور والتعايش، ولست أدري لماذا هذا الخوف من الإسلاميين، لماذا لا يحكمون إذا تحصلوا على الأغلبية، لأن الفزاعة الاسلاماوية انتهت ويجب أن تنتهي ما دامت هناك إمكانية للتحاور، أما إذا كان هناك استعمال العنف للوصول إلى السلطة، عندها الصورة تأخذ أبعادا أخرى، هذا مع العلم أن كل التونسيون مسلمون ولا يحق لأي كان أن يزايد على إسلام الغير ليصل إلى الحكم، وأكبر دليل أننا في الهيئة العليا لتحقيق الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي في تونس يجتمع النهضوى والشيوعي واليساري ونتحاور بكل احترام ونلتقي في كثير من الأمور.
-
تحدثتم عن فزاعة الإسلاميين من يروج لها ولصالح من تعود؟
-
يقوم بها الذين يردون الوصول إلى الحكم بسرعة وبالتخويف، والتخويف هو نوع من أنواع العنف ويخدم مصالح غير ديمقراطية، لهذا علينا العودة إلى الشعب ليختار بكل حرية وبطرق حضارية وخيار الشعب ملزم ويجب أن يقبل، لكن للأسف مصيبة المجتمعات العربية من يصل إلى الحكم لا يفكر في الانهزام ولا في الرحيل.
-
عبر البعض عن تخوفه من تكرار التجربة الجزائرية في تونس؟
-
لا أعتقد، لأن الظروف الدولية تغيرت والمحيط الجيوسياسي تغيرت رهاناته، كما أن إسلاميي تونس ليسوا إسلاميي الجزائر، ولا خيار أمام الشارع التونسي الآن غير الحوار، وهذا لا يعني أنه لن يقع عنف، ولكن على الجميع أن يتغلب عليه بمن في ذلك الإسلاميون.