العالم
سلاح أبشع من القنابل

التجويع أداة صهيونية للإبادة… حقائق صادمة وأرقام دامغة

عبد السلام سكية
  • 161
  • 0

منذ 20 شهرا يواجه أكثر من 2.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة سياسة تجويع ممنهجة، تحوّلت فيها المواد الغذائية والماء والدواء إلى أدوات حرب بيد سلطات الاحتلال. ومع تصاعد العدوان واستهداف البنية التحتية ومصادر الغذاء، دخل القطاع مرحلة غير مسبوقة من المجاعة، موثّقة بالأرقام والشهادات، لتصبح غزة اليوم ساحة لجريمة حرب وجريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان.

حصار خانق وإغلاق كامل

لم يكن الحصار جديدًا على غزة، فهو قائم منذ عام 2006، وأدى حينها إلى شلل اقتصادي وارتفاع البطالة إلى أكثر من 45%، لكن العدوان الأخير نقل الوضع إلى مستوى كارثي. وزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت صرّح بوضوح منذ اليوم الثالث للعدوان: «لا كهرباء، لا طعام، لا ماء، لا غاز. كل شيء مغلق». هذا التصريح وحده مثّل اعترافًا رسميًا باستخدام التجويع كوسيلة حرب وإبادة.

مراحل منظمة للتجويع

بدأت سلطات الاحتلال بسياسة الإغلاق الكامل للمعابر، ثم توغلت بريًا لتقسيم القطاع وعزل المناطق. ورغم فترات هدنة قصيرة، لم تتجاوز المساعدات 5% من الحاجة الفعلية. تعمّقت الكارثة مع استئناف القصف واستهداف المزارع والمخابز وتكايا الطعام، وصولًا إلى مجازر الطحين عند نقاط التوزيع، حيث تحوّلت طوابير الجوعى إلى ساحات قتل جماعي.

حتى منتصف 2025، سُجّلت عشرات المجازر عند نقاط توزيع الغذاء، وأسفرت بين مايو ويوليو وحده عن 1021 شهيدًا وأكثر من 6500 مصاب، معظمهم مدنيون كانوا ينتظرون الخبز.

مؤشرات كارثية للمجاعة

بحسب معايير الأمم المتحدة (IPC)، يعيش نحو 1.95 مليون شخص في غزة – أي 93% من السكان – في أزمة غذائية حادة، بينما بلغ عدد من يعيشون في حالة مجاعة فعلية قرابة نصف مليون إنسان. وتشير بيانات اليونيسف إلى أن 71 ألف طفل يعانون من سوء تغذية حاد، و17 ألف امرأة حامل أو مرضعة بحاجة عاجلة للرعاية الغذائية والطبية.

أمام هذا المشهد، لم تُسجّل وفاة 111 شخصًا – معظمهم أطفال – بسبب الجوع رسميًا إلا حتى نهاية جويلية الجاري، في حين يُقدَّر أن عدد الوفيات الفعلي أكبر بكثير مع صعوبة التوثيق.

تدمير ممنهج لمصادر الغذاء

لم تقتصر إستراتيجية التجويع على منع دخول الغذاء فقط، بل شملت تدميرًا مباشرًا للبنية الزراعية ومصادر الغذاء المحلية. فقد وثقت منظمات دولية استهداف 42 تكية طعام، و57 مركزًا لتوزيع المساعدات، و121 عملية استهداف لقوافل الإغاثة. كما قصفت قوات الاحتلال المخابز والمزارع وحتى الأسواق الشعبية، لمنع أي مبادرات لتأمين الحد الأدنى من الغذاء للسكان.

التعطيش والتجويع معًا

إلى جانب المجاعة، واجه السكان انعدامًا شبه كلي للمياه. ومع توقف الإمدادات وإغلاق محطات التحلية، اضطر الآلاف للاعتماد على مياه ملوثة أو غير صالحة للشرب، ما فاقم حالات الجفاف، خاصة لدى الأطفال والمرضى وكبار السن.

إبادة جماعية موثّقة

قانونيًا، يرقى هذا الواقع إلى جريمة إبادة جماعية وفق المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948. فالتجويع المُتعمّد جريمة حرب بموجب المادة (8) من نظام روما الأساسي، وخرق واضح للمادتين (55) و(56) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تُلزم قوة الاحتلال بضمان الغذاء والرعاية الطبية للسكان.

وتؤكد التقارير الأممية وبرنامج الغذاء العالمي أن ما يحدث في غزة هو أسوأ أزمة جوع يشهدها العالم المعاصر. شهادات الأطباء والعاملين في المجال الإنساني توثق موت الأطفال جوعًا، واستهداف من ينظّمون توزيع الغذاء، في وقتٍ يُمنع فيه دخول القوافل الإغاثية أو يُقصف الطريق أمامها.

إن تحويل الغذاء إلى أداة إبادة يضيف فصلاً مأساويًا جديدًا في سجل الجرائم الإسرائيلية. الأرقام والشهادات تُظهر بوضوح أن سكان غزة يُقتلون مرتين: مرة بالصواريخ والقذائف، وأخرى ببطء عبر التجويع والتعطيش، أمام عجز دولي رهيب عن فرض أبسط مبادئ القانون الإنساني.

مقالات ذات صلة