التحالف الدولي ليس “صادقا” في محاربة داعش .. والتدخل في ليبيا لن يفيد
من الرباط، إلى نواكشط والكويت ودمشق وجاكرتا، وطهران كسفير تونس، ومديرا عاما لدائرة العالم العربي والإسلامي في الخارجية التونسية، محطات جعلت من الدبلوماسي التونسي محمد الحصايري، ملما بالأحداث والتطورات الحاصلة على الصعيدين الإقليمي والعربي، ويبدي الحصاري في هذا الحوار مع الشروق تخوفا كبيرا من التدخل العسكري الغربي في ليبيا، وينصح بإزالة النظارات التي وضعها الغرب عند النظر إلى إيران.
خمس سنوات على الثورة التونسية، لكن الظاهر أن الكثير من الأشياء لم تتحقق خاصة المطالب التي رددت: عمل، كرامة، وعدالة اجتماعية، لماذا؟
بالفعل… الكثير من مطالب الثورة التونسية لم تتحقق… وأسباب ذلك عديدة، وأوّلها، في رأيي، أن هذه المطالب كانت كبيرة… بل كبيرة جدا ولم يكن من الممكن، موضوعيا، تحقيقها دفعة واحدة وفي فترة زمنية قصيرة …
ثم إن السنوات الأولى التي تلت الثورة كانت سنوات انتقالية وقد تركز الاهتمام خلالها على التأسيس للمستقبل لاسيّما من خلال وضع الدستور الجديد وتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية وإرساء قواعد الهيئات الدستورية المختلفة…
ومن المؤسف أن الحكومات التي تعاقبت على إدارة شؤون البلاد في تلك الفترة لم تكن قادرة على الموازنة بين متطلّبات إعادة تنظيم الحياة السياسية وبين متطلّبات التأسيس لمنوال تنموي جديد يمكن أن يساعد على توفير المزيد من فرص الشغل الذي لا يمكن تحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية من دونه…
كما أنّه من المؤسف أن هذه الحكومات التي كانت مؤقّتة والتي كان عديد أعضائها من البعيدين أو المبعدين عن الواقع التونسي، انشغلت بمعالجة الشؤون اليومية الظرفية أكثر من انشغالها بمعالجة الإشكاليات الهيكلية التي يعاني منها اقتصاد البلاد…
وقد جاءت الأحداث الإرهابية التي شهدتها البلاد في أكثر من موقع لتعقّد الوضع السياسي والأمني والاقتصادي بما كان لها من تداعيات سلبية خاصة على الاستثمارات الخارجية وعلى القطاع السياحي…
وإلى جانب كلّ ذلك ينبغي ألاّ نغفل عن الدور الذي لعبته وتلعبه القوى المناوئة للثورة من أجل إحباطها وتعطيلها وعرقلة مسيرة التغيير المنتظرة منها، ونعني بهذه القوى قوى الردّة التي تضرّرت مصالحها من الثورة والتي لا تتورّع عن استخدام أيّ وسيلة للحفاظ على هذه المصالح، والقوى الطفيلية الانتهازية التي تسعى بكل ما أوتيت من جهد إلى الاستحواذ على أكبر قدر مما سمّي بـ”كعكة” الثورة…
ما هو التوصيف الأنسب لتونس حاليا، فشل، تردد، اضطراب، أم فوضى؟
أعتقد أنّه ما من مجال للحديث عن الفشل أو الفوضى في تونس، لكن وفي المقابل يجب الإقرار بأن البلاد تعاني من قدر كبير من التردّد والارتباك الضارّين بمسيرة الإصلاح…
طبعا إذا استمر هذا التردّد وهذا الارتباك فإنهما يمكن أن يؤدّيا إلى الفشل، وحتى الفوضى غير أننا نأمّل أن تكون الحكومة أدركت هذه الحقيقة، واستوعبت الرسائل التي وجّهتها إليها الأحداث التي شهدتها ولاية القصرين وبعض الولايات الأخرى مؤخرا، وأن تحسم أمرها وتعجّل باتخاذ الاجراءات اللازمة للشروع في إقرار وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية الواجبة…
كيف ترى التوافق الحاصل بين راشد الغنوشي والرئيس الباجي قايد السبسي، من الرابح والخاسر في تونس من هذا التقارب؟
إن الرّابح من هذا التوافق هو، بدرجة أولى، تونس التي استطاعت بفضل هذا التوافق أن تتلافى، على الأقل مرحليا، الوقوع في صراع مفتوح بين أكبر قوّتين حزبيتين مؤثّرتين في المجتمع التونسي وهو ما وقاها من التردّي في وضع شبيه بأوضاع عديد البلدان العربية التي هبّت عليها رياح ما سمي بـ”الربيع العربي“.
وما من ريب أن هاتين القوّتين الحزبيتين مستفيدتان بدورهما من هذا التوافق لأنه من ناحية أولى يمكّنهما من الاشتراك في الإمساك بمقاليد الأمور، ومن ناحية ثانية يتيح لكل منهما فرصة الاستعداد للاستحقاقات القادمة وفي مقدمتها الانتخابات البلدية التي قد تنتظم في موفّى هذه السنة…
طبعا… ربّما ترى بعض الأحزاب الصغيرة أن هذا التوافق غير طبيعي وأنه يتم على حسابها، وفي رأيي فإنّ هذه الأحزاب تحتاج إلى مراجعة نفسها وإلى البحث عن السبل الكفيلة بأن تجعلها أقدر على المنافسة وذلك إما بالاندماج في بعضها البعض أو بالتحالف مع بعضها البعض…
والأمر المؤكد، في نظري، أن الخارطة الحزبية التونسية لم تستقرَّ بعد، وهي في أمس الحاجة إلى أن يعاد رسمها بصورة شاملة وعلى أسس مُغايرة…
أعلن انخراط تونس في التحالف الدولي الذي تقوده السعودية لمحاربة الإرهاب، أي دور لها، وهل وفّقت بإعلان الانضمام؟
أجل… لقد انضمّت تونس إلى هذا التحالف الذي يضمّ، كما تعلمون، أكثر من ثلاثين دولة إسلامية.
وقد حرص المسؤولون التونسيون على التأكيد، عند الإعلان عن هذا الانضمام، على أن تونس لن تتدخل، بموجبه، في أي نزاع خارجي… وأن تعاونها في إطار التحالف سيتركّز أساسا على الجانب الاستخباراتي وعلى تبادل المعلومات عن التنظيمات الإرهابية التي تهدّد أمنها واستقرارها وفي نفس الوقت وبنفس القدر أمن واستقرار المنطقة…
ومع ذلك ينبغي أن نسجّل أن شرائح واسعة من التونسيين لا تنظر بعين الرضا إلى هذا الانضمام لأنّه يتناقض مع المبادئ والثوابت التي قامت عليها سياسة تونس الخارجية منذ الاستقلال.
تعارض تونس تنفيذ عمل عسكري في ليبيا، لم تنضّم إلى التحالف الدولي وترفض العمل العسكري الهادف بحسب مهندسيه إلى ضرب معاقل داعش في ليبيا؟
لقد أثبتت التجربة أن التدخلات العسكرية الأجنبية في عديد البلدان العربية والإسلامية لم تَقْضِ على الإرهاب بل قوّت من شوكته، وزادت من استفحاله… ومن هذا المنطلق فإنّ تونس تعارض، تماما مثل شقيقتها الجزائر، التدخّل العسكري الأجنبي في ليبيا.
أما الحديث المتداول عن ضرب “الدولة الإسلامية” فيجب التعامل معه بكل حذر، لأن التحالف الدولي، لو كان جادا في محاربة هذه الدولة لفعل ذلك منذ زمن وفي العراق وسوريا حيث نبتت ونمت… ولما ترك أتباعها ينتقلون برّا وبحرا وجوّا، تحت أعينه، إلى ليبيا فيتمركزون فيها ويسيطرون على مناطق شاسعة منها.
ثم إنّ التحالف الحقيقي، أيّ تحالف حقيقي، يفترض أن يجلس أعضاؤه مع بعضهم البعض وأن يتّفقوا على خطّة تحرّك مشتركة تراعي مصالح كل منهم، وأن يوزّعوا المهام فيما بينهم وفقا لمعايير موضوعية وواضحة… أما أن يكون التخطيط والتنفيذ في يد كبار التحالف فإن ذلك يعني أن صغاره إنما انضمّوا إليه للتمويه أو لتبرير ما سيحصل فيما بعد.
هل الضربة الأمريكية الأخيرة هي إيذان بعمل عسكري غربي سواء بري أو جوي على ليبيا، وهل الجهود التي بدأتها تونس والجزائر كفيلة حقا بوقفه؟
بكلّ أسف… هذه الضربة كما تمّ الإعلان عنها وكما يجري الترويج لمبرّراتها وأهدافها تشكّل، في تقديري، نذير سوء، فهي، فيما أرى، تؤشر إلى أن الولايات المتحدة بدأت تهيئة ليبيا والبلدان المجاورة للحرب الوشيكة القادمة، كما تؤشّر إلى أنّها، من خلال المعلومات التي قامت بتسريبها عن الإرهابيين المستهدفين، تريد إقناع أجوار ليبيا بأنّ الحرب ستكون من صالحهم، وبأنّ من صالحهم أن ينخرطوا فيها…
ومن منطلق ما كنت أشرت إليه من أنّ أتباع “الدولة الإسلامية”، انتقلوا إلى ليبيا وتمركزوا فيها وسيطروا على مناطق شاسعة منها تحت أعين الأمريكيين والإيطاليين والفرنسيين والبريطانيين الذين يدّعون أنهم سيشنّون الحرب من أجل القضاء عليهم، فإنّني أخشى أنّ الحرب على ليبيا آتية لا محالة، فهذا مؤشر على أنها مبرمجة منذ زمن طويل وقد تمّ التحضير لها على مستويات عدّة، سياسية وعسكرية ولوجستية وإعلامية… وسيكون من الخطإ الفادح أن نسيء التقدير وأن يذهب في ظنّنا، كما سبق أن فعلنا في الحرب الأولى ثم في الحرب الثانية على العراق، أن تلك التحضيرات باهظة الكلفة ليست جدية أو هي نوع من اللهو أو العبث…
أمّا عن احتمال إيقاف رحى الحرب التي يبدو أنّها بدأت الدَّوَرَان، فإنني أخشى أن يكون احتمالا ضعيفا، وأنه من المستبعد أن تفلح الجهود التي تبذلها الدول المجاورة لليبيا وفي مقدمتها تونس والجزائر في إيقافها…
غير أن ذلك لا يعنى أبدا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام الكارثة التي يشعر الكثير من المراقبين بأنها بدأت تطل برأسها من الأفق… بل إن تونس والجزائر مدعوتان إلى تكثيف جهودهما من أجل محاولة التخفيف من حجمها ومن تداعياتها المتوقعة…
وفي هذا الإطار فإنني أرى أن الدول المغاربية مدعوّة إلى التسامي على جميع خلافاتها وإلى الاجتماع عاجلا وعلى أعلى مستوى ممكن من أجل إعلان رفضها القاطع للحرب على ليبيا العضو في الاتحاد المغاربي… كما أنها مدعوّة إلى التنسيق فيما بينها ومع بقية دول الجوار الليبي من أجل القيام بتحرك مشترك في منظمة الأمم المتحدة على مستويي مجلس الأمن والجمعية العامة من أجل التنبيه إلى خطورة الحرب على السلم والأمن والاستقرار في كامل المنطقة…
وربما تساءل البعض عن الجدوى من مثل هذا التحرك إذا كانت الحرب واقعة لا محالة…
وفي رأيي فإنّ هذا التحرك ضروريّ وواجب، وهو يستطيع أن يحقّق عدة أهداف… أوّلها أنه سيسجّل موقفا مبدئيا رافضا للحرب لا بد من التعبير عنه بكل وضوح وكل قوة، وثانيها أنه سيبرز للعالم التناغم بين موقفي بلداننا الرسمي والشعبي وسيخفف من مشاعر الغضب والاحتقان التي تخالج مجتمعاتنا إزاء هذه الحرب… وثالثها أنّه، وإن لم يمنع الحرب، فإنّه قد يحد من نطاقها خاصة إذا تحركت شعوب المنطقة احتجاجا عليها…
كيف ينظر حقيقة المسؤولون التونسيون للجزائر؟
إن الشقيقة الجزائر جار استراتيجي لتونس… ولا أحد يجادل في أن أمن تونس من أمنها تماما كما هو أمن الجزائر من أمن تونس…
وفي خضمّ الوضع الصعب الذي تمرّ به المنطقة الآن، ينبغي أن نستحضر دائما أن تونس بذلت كل ما في وسعها من جهود من أجل حماية ظهر الجزائر على امتداد العشرية السوداء، وأعتقد أن البلدين بحاجة ماسّة اليوم إلى تبادل الحماية لبعضهما البعض بل إنهما لا يملكان أيّ خيار آخر سوى تكثيف التعاون وإحكام التنسيق فيما بينهما حتى يتمكّنا من مواجهة الأخطار المحدقة بهما من جراء الأوضاع المتردّية سواء في جوارهما الليبي أو في منطقة الساحل والصحراء.
هل توافق على من يقول إن إيران تعامل الشيعة العرب وكأنهم جالية إيرانية؟
شخصيا، لا أوافق على ذلك… لأنّ هذا القول وإن كان يوجّه تهمة مباشرة لإيران، فإنه ينطوي قبل ذلك على تهمة خبيثة للشيعة العرب الذين ينبغي أن نضع نصب أعيننا أنهم جزء لا يتجزّأ من مجتمعاتهم العربية وأنهم أثبتوا في عديد الوقائع والحوادث أنهم لا يقلّون وطنية عن مواطنيهم العرب السنّة…
وتأسيسا على ما تقدّم، فإنّ الدّول العربية التي تتضمّن تركيباتها السكانية أقليات شيعية، مدعوّة إلى أن تعامل مواطنيها الشّيعة نفس معاملة مواطنيها السنّة، حتى لا يحسّوا بأنهم مواطنون من درجة ثانية، وحتّى لا يشكّل شعورهم بالغبن منفذا يتسلل منه المتربّصون، وهم كُثْرٌ، بأمن هذه الدول ووحدتها..
هل المال الإيراني ذكي فعلا؟
إذا كان المقصود بالمال الذكيّ هو الإبداع في توظيف الموارد المالية في خدمة الأهداف الوطنية، فيمكن القول إن المال الإيراني ذكيّ فعلا… ذلك أن المرتبة التي بلغتها إيران اليوم تؤكد أنها عرفت كيف تدبّر مواردها المالية بطريقة حكيمة مكّنتها من مواجهة العقوبات القاسية التي سلّطت عليها على امتداد سنوات طويلة، وأيضا تطوير قدراتها العلمية والتقنية والصناعية المدنية والعسكرية بما حوّلها إلى قوة إقليمية يحسب لها حسابها.
وإذا كانت الأشياء تتمايز بأضدادها، فإنّ مقارنة بسيطة بين ما بلغته إيران وبين ما هي عليه أغنى البلاد العربية اليوم تبين البون الشاسع بين من يحسن تدبير المال ومن يَبْرَعُ في إهداره ذات اليمين وذات الشِّمال.
