الرأي

التحوّل الروسي نحو ليبيا: تحدّي 2025

 بقلم: نبيل كحلوش
  • 736
  • 4

بحكم أن الدول كأحجار الدومينو المتراصة، فإن التأثيرات فيما بينهما يتجاوز غالبا مفهوم تأثير الفراشة إلى التأثير المباشر الملحوظ مثل تسلسل الأحجار، وما حدث في سوريا هو من هذا النوع الذي يمكننا ملاحظته، فكيف يمكن قراءة الرقعة من جديد لاستشراف مناطق التحرك الروسي القادمة؟

لقد حوّلت روسيا مكانها من سوريا، وخلّفت وراءها فراغا استراتيجيا من النوع العسكري والجيوسياسي على حد سواء، وتبدو الغارات الجوية التي شنّها الكيان أخيرا على منطقة طرطوس التي طالما ارتبطت بالحضور البحري الروسي، كأنها ضربة رمزية تشير إلى نهاية نفوذ روسيا في البلاد وبداية فصل جديد من الحضور الإسرائيلي -ووراءه بشكلٍ ما- الأطلسي.

ولكن السؤال المطروح هو: بعد سوريا، روسيا إلى أين؟

للإجابة، لابد من قراءة الخريطة العسكرية للحضور الروسي في العالم:

1- بالنسبة لأوروبا، فإن روسيا تتمركز في 5 مناطق محددة من شرق القارة وهي: (أرمينيا وبيلاروسيا وجورجيا -بالضبط في كل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية- ومولدوفا -وبالضبط في ترانسنيستريا- وأوكرانيا).

2- أما في آسيا فإنها تتواجد في 3 مناطق وهي كل من: كازاخستان وقيرغيزستان وطاجكستان، أي دول آسيا الوسطى، وأيضا المنطقة الرابعة وهي سوريا، ونلاحظ أنها الوحيدة خارج الفضاء السوفييتي التقليدي المتمثل في آسيا الوسطى وشرق أوروبا، ونلاحظ من خلال التمركزات الأوروبية والآسيوية أن روسيا اختارت المناطق (الأوراسية) التي تربط القارتين الآسيوية والأوروبية.

3- أما في إفريقيا، فلروسيا حضور ثابت في 5 دول وهي كل من: ليبيا والسودان وموزمبيق ومالي وجمهورية إفريقيا الوسطى.

من خلال هذه الخريطة يمكن استنتاج: أن فقدان روسيا لنفوذها العسكري في ميناء طرطوس السّوري المطلّ على البحر المتوسط سيجعل ليبيا آخر واجهة متوسِّطية ممكنة بالنسبة للروس، وبحكم أن الجغرافية الليبية تتميز بخصوصية التخومية مع مناطق النفوذ الروسي الإفريقية، وهي كل من السودان المجاورة بدورها لجمهورية إفريقيا الوسطى، والنيجر المجاورة لمالي، فهذا يعني -بالإضافة للميزات الجيوسياسية الأخرى الطاقوية كونها موردا أساسيا لجنوب أوروبا، والسياسية كونها مجاورة للشريك الاستراتيجي الأكبر لروسيا في المنطقة المغاربية وهي الجزائر- بأنها ستسخّر كثيرا من مواردها الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية لتعزيز حضورها في ليبيا.

ولكن يطرح هذا الحضور إشكالا أساسيا وهو:

– هل سيكون مستقبل الحضور الروسي في ليبيا قائما على التنسيق مع دول الجوار الليبي أم من دونه؟

وفي الحالتين معا، فإنه من المنطقي أن روسيا ستعمل على تفادي تكرار السيناريو الذي كان في سوريا.

والسبب في طرح هذا الإشكال هو ارتباطه باتجاهين إستراتيجيين سيشكّلان المستقبل المحتمل للحضور الروسي في ليبيا وهما:

السيناريو الأول: في حالة تعزيز روسيا لحضورها العسكري في ليبيا بالتنسيق مع دول الجوار وعلى رأسها مصر والجزائر، فقد يستفزّ هذا الأمر رد فعل غربي معاكس والذي سيقرأ هذا الحضور “المنسق” كتحوّل جيوسياسي جذري في شمال إفريقيا لصالح الروس. الأمر الذي يمكن أن يجرّ على المنطقة ردود فعل أطلسية ذات طابع إستراتيجي على شاكلة التدخلات العسكرية في بؤر التوتر غير المستقرة بذريعة الحفاظ على المصالح الغربية، أو دعم جماعات مسلحة في القارة لتكرار سيناريو الخروج الروسي من سوريا، هذا ما سينعكس سلبا على الأمن القومي لدول الشمال الإفريقي بالخصوص.

السيناريو الثاني: في حالة تعزيز روسيا لحضورها العسكري في ليبيا من دون تنسيق مع دول الجوار -أو بتنسيق منخفض مع طرف دون آخر- فقد ينشر هذا التوجّه شعورا بالتهديد لدى الأطراف المجاورة لليبيا وعلى رأسها الدول ذات الثقل الجيوسياسي الأكبر في القارة وهما الجزائر ومصر، أو على الأقل أحدهما، مما يزيح الثقة السياسية المتبادلة مع روسيا لصالح الدفع بالتقارب بين دول الجوار في شمال إفريقيا والدول الكبرى الأطلسية التي لها حضور في المنطقة.

مقالات ذات صلة