الرأي

التحوُّل بما لا يُفضي إلى التغوُّل

عمار يزلي
  • 621
  • 0

التغيرات الاقتصادية، تجرّ وراءها تحولات اجتماعية في غاية التعقيد. من قوانين الرأسمالية والاقتصاد الحر، أن تخضع كل الدوائر والمؤسسات والفضاءات والمجالات لقانون العرض والطلب والمنافسة ورأسمال فائض القيمة. غير أنه في تجاربنا ضمن العالم النامي والعربي والجزائري منه على الخصوص، تتطوّر التحولات المادية بمتوالية هندسية، فيما تنمو التغيرات الثقافية الفكرية التي يجب أن تواكب التطور المادية بمتوالية عددية، مما يجعل المسافة بين الاثنين كبيرة إلى حد أن التجربة تبدو كأنها هروبٌ إلى الأمام منتجِة فجوة عملاقة لا يمكن تداركها ولا القفز عليها.

هذا ما يحدث عندنا على المستوى السوسيولوجي: تنمية حتى ولو بدت ثقيلة وغير سريعة، لكن أسرع بكثير زمنيا، قياسا بسرعة التحول الثقافي. هذا ما يولّد صراعا وتضادّا وتناقضا صارخا أحيانا بين الممارسة السلوكية للفعل الثفافي، والفعل الاقتصادي المادي، وهذا أيضا ما يؤدي إلى إرباك العملية الاقتصادية برمَّتها، ذلك أنه من شأن هذا الخلل في التطور، أن يخلق خللا في البنية الاجتماعية وفي الروابط والعلاقات بين الأفراد والجماعات وحتى المؤسسات.

الوضع الحالي عندنا، ولدى كثير من الشعوب والدول، خاصة تلك التي اختارت الانتقال إلى الاقتصاد الحر بدل الاقتصاد المخطط، يشبه إلى حد ما الوضع الذي كان عليه المجتمع الفرنسي قبيل الثورة الفرنسية، أي قبيل الثورة البرجوازية التي أنتجت الرأسمالية على أنقاض المجتمع الاقطاعي الذي كان آدم سميث أول من دق ناقوس نهايته بمقولته الشهيرة: “دعه يمر، دعه يعمل”. المجتمع الرأسمالي الذي كان مُنقذا من ظلمات الاقطاع والنبلاء وجور الكنيسة، تحول فيما بعد، بفعل التناقضات الجنينية التي تحملها الرأسمالية وعلى رأسها هوس الربح وتمجيد الفردانية والمِلكية الخاصة والحرّية والعقلانية، تحوّل هذا المجتع الوليد إلى مستنقع لتفتت العلاقات والقيم القديمة لصالح قيم فردانية شهوانية استهلاكية لا تؤمن إلا بالمادة والمصلحة والربح السريع.

هذا ما أوصل دوركهايم إلى الحديث عن “الأنوميا” التي يعني بها ضياع القيم المتوارثة عبر الأجيال السابقة. ضياع القيم في مجتمع متحول متناقض مع مبادئه، لا يبحث إلا عن الربح مهما كان ثمن ذلك من خسارة قيمية. مجتمع يمجّد الفردانية ويهدم الأسرة ويفتّت العلاقات والروابط الأسرية والمجتمعية ككل لصالح علاقات متشيّئة، مادية، مصلحية، لا حسَّ إنسانيًّا فيها ولا أخلاق اجتماعية ولا دين يتكئ عليه الفرد والجماعة. هذا ما أوصله أيضا إلى دراسة ظاهرة الانتحار التي يربطها بانهيار القيم وتشيُّئ المجتمع والوصول إلى حد ما أشار إليه الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير فيما بعد بحالة “الاستيلاب”.

وضعُنا قد يشبه إلى حد ما هذا الوضع مستقبلا، لهذا علينا أن نستفيد من التاريخ والتجارب السابقة في التنمية والتحديث، خاصة ونحن نتحدَّث عن الإقلاع الاقتصادي. هذا الإقلاع ينبغي أن لا يكون على حساب المواكبة التنموية المجتمعية، وفي كل المجالات باعتبارنا دولة اجتماعية شعبية. القيم، والمستوى المعيشي وتقنين التراكم البدائي للرأسمال عندنا، ينبغي أن يوضَع له إطارٌ واضح حتى لا يتغوّل مستقبلا القطاعُ الخاص على حساب العمال والمواطن والمستهلِك. حرية تأسيس النقابات عملٌ ضروري لضبط كل تحوّل، لأن الربح لا حدود له وهذا أمرٌ طبيعي، لكن بلا ضبطٍ قانوني، ولجم لحصان جموح، لا أحد يضمن اتساع الهوة بين ضفتي التنمية مستقبلا، والتي قد تحيلنا إلى تجارب سابقة بشأن الرأسمال المتوحش. لهذا كل المؤسسات مدعوَّة إلى الانخراط في التخطيط لهذا التحوُّل.. حتى لا نصل إلى درجة التغوّل.. والمجلس الاقتصادي والاجتماعي على رأس هذه المؤسسات.

مقالات ذات صلة