الرأي

التراث والآثار في الجزائر: من ذاكرة الماضي إلى رافد للعلم والتنمية

بقلم: محمد بوكوردان
  • 74
  • 0

عندما نقف أمام مدينة أثرية قديمة، أو حصن تاريخي، أو بقايا طريق روماني، أو مسجد عتيق، أو قطعة فخارية عُثر عليها في موقع أثري، فإننا لا نرى مجرد حجارة أو مبانٍ قديمة أو أشياء تنتمي إلى الماضي. إننا أمام صفحات من تاريخ الإنسان، تحمل معلومات عن طريقة عيشه، وتنظيم مجتمعه، وعلاقاته الاقتصادية والسياسية والدينية، وفنونه وعلومه وتقنياته، فالآثار لا تتحدث إلينا بالكلمات، وإنما تتحدث من خلال ما تركه الإنسان وراءه.

لهذا فإن التراث الأثري ليس ملكًا لجيل معين، ولا مجرد مجال يخص علماء الآثار والمؤرخين والمهندسين وحدهم، بل هو جزءٌ من الذاكرة الجماعية للمجتمع، ومن الهوية الثقافية للبلاد، ومسؤولية مشتركة بين الدولة والمختصين والجامعة والمجتمع المحلي والمواطن.

والجزائر، بما عرفته من تعاقب حضارات ومجتمعات منذ عصور ما قبل التاريخ إلى العصور الحديثة، تمتلك رصيدًا تراثيًّا متنوعًا وثريًّا.

غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط: كم موقعًا أثريًّا نملك؟ وإنما أيضًا: ماذا نعرف عن هذه المواقع؟ وكيف نحافظ عليها؟ وكيف نحوّلها إلى مصدر للعلم والثقافة والتنمية دون أن نفقد أصالتها؟

1 – الآثار ليست مجرد مبانٍ قديمة

من الأخطاء الشائعة النظر إلى الآثار باعتبارها بناء قديمًا ينبغي المحافظة على شكله فقط، فالموقع الأثري قد يكون وثيقة تاريخية متكاملة.

المدينة القديمة، مثلًا، يمكن أن تكشف من خلال تخطيطها عن طبيعة المجتمع الذي أنشأها، فالطرق والأسواق ومراكز الحكم ودور العبادة والمساكن والمنشآت الدفاعية ومرافق المياه وتخزين القمح والمقابر والمنشآت الحِرفية والصناعية كلها عناصر تساعد الباحث على فهم الحياة اليومية للسكان.

حتى موقع منشأة صغيرة يمكن أن يقدِّم معلومات مهمة حول الاقتصاد أو الصناعة أو طرق البناء أو العلاقات الاجتماعية في فترة تاريخية معينة.

ومن هنا، فإن دراسة الآثار تعني في جوهرها إعادة قراءة المجتمع من خلال آثاره المادية.

2 – من الاكتشاف إلى المعرفة

قد يكون اكتشاف موقع أثري حدثا مهما، لكنه يمثل بداية العمل وليس نهايته.

والخطوة الأولى هي التعرف على الموقع وتحديد موقعه الجغرافي وتاريخه المحتمل، ثم جمع الوثائق والمخططات والخرائط والصور والدراسات السابقة المتعلقة به.

بعد ذلك يأتي الجرد والتوثيق.

ويشمل ذلك القياسات الهندسية، والمخططات، والتصوير، وتوثيق مواد البناء والعناصر المعمارية، وتحديد حالة كل جزء من الموقع.

وفي عصر الرقمنة، أصبح بالإمكان استعمال تقنيات حديثة مثل التصوير ثلاثي الأبعاد، ونظم المعلومات الجغرافية، والاستشعار عن بُعد، وقواعد البيانات الرقمية، وغيرها من الوسائل التي تسمح بتكوين صورة أكثر دقة وشمولا للموقع.

وبذلك لا تبقى المعلومات موزعة بين وثائق مختلفة، وإنما يمكن بناء ملف علمي ورقمي متكامل لكل موقع أثري.

3 – الآثار تحتاج إلى أكثر من تخصص

إن تعقيد التراث يجعل من الصعب أن يستطيع اختصاصٌ واحد تفسير جميع جوانبه؛ فعالم الآثار يحتاج إلى المؤرخ، والمهندس المعماري يحتاج إلى عالم الآثار، والجيولوجي والكيميائي يمكن أن يقدما معلومات عن مواد البناء والاكتشافات، والجغرافي يمكن أن يساعد في فهم علاقة الموقع بمحيطه، كما يمكن لتقنيات الاستشعار عن بُعد ونُظم المعلومات الجغرافية أن تكشف أنماطا وتغيرات يصعب رؤيتها بالوسائل التقليدية.

ويمكن للجامعة أن تكون فضاء أساسيا لهذا التعاون، فبدل أن يكون الموقع موضوعا لبحث واحد، يمكن أن يصبح موضوعا لمجموعة من الأبحاث المتكاملة: بحث تاريخي، ودراسة أثرية، ورفع معماري، وتحليل عمراني، ودراسة للمواد، وتحليل جغرافي، ودراسة اجتماعية وأنثروبولوجية. وهكذا يتحول الموقع الأثري إلى مختبر مفتوح للبحث العلمي.

4 – ماذا تخبرنا المدينة الأثرية؟

تعدُّ المدن الأثرية من أهم المجالات التي يمكن من خلالها فهمُ المجتمعات السابقة.

عندما ندرس مدينة قديمة، ينبغي أن لا نكتفي بوصف مبانيها، وإنما نحاول فهم منطق تنظيمها: أين كان مركز السلطة؟ أين كانت أماكن العبادة؟ أين توجد الأسواق؟ كيف كانت تصل المياه إلى السكان؟ أين كانت مناطق الحرف والصناعات؟

كيف كانت تُحمى المدينة؟ كيف كانت ترتبط بالريف والمناطق المحيطة بها؟ وأين كانت توجد المقابر؟

هذه الأسئلة تسمح بالانتقال من مجرد وصف الآثار إلى فهم وظائفها.

كما أن مقارنة الخرائط القديمة بالوضع الحالي يمكن أن تساعد على معرفة كيفية نشأة المدينة وتوسعها والتغيرات التي عرفتها.

لكن يجب الحذر من إسقاط نموذج واحد على جميع المدن، لأن لكل حضارة وفترة تاريخية خصائصها السياسية والاجتماعية والعمرانية.

5 – الحاجة إلى خريطة أثرية وطنية رقمية

من الصعب إدارة ثروة أثرية واسعة ومتنوعة دون معرفة دقيقة بمواقعها وحالتها.

ولهذا تبرز أهمية إنشاء خريطة أثرية وطنية رقمية، تتضمن المواقع المصنفة وغير المصنفة، والمدن الأثرية، والمعالم المعمارية، والمتاحف، ومناطق البحث والتنقيب، والمواقع المغمورة، وغيرها من عناصر التراث.

وينبغي أن لا تكون الخريطة مجرد نقاط على شاشة، بل يمكن أن ترتبط كل نقطة بملف علمي يتضمن تاريخ الموقع، وصوره، ومخططاته، ودراسات الباحثين حوله، وحالته الراهنة، والمخاطر التي تهدده، والإجراءات المتخذة لحمايته.

مثل هذا النظام يمكن أن يصبح أداة للبحث العلمي، والتخطيط، والحماية، والتعليم، والسياحة الثقافية.

6 – الجامعة شريكٌ أساسي في حماية الذاكرة

يجب على الجامعة أن تؤدي دورا أكبر في هذا المجال، فمئات الطلبة في تخصصات الهندسة المعمارية والآثار والتاريخ والجغرافيا والهندسة والعلوم وغيرها يمكن أن يشاركوا، من خلال مذكرات التخرج ورسائل الماجستير والدكتوراه والمشاريع البحثية، في توثيق المواقع ودراستها.

وقد تكون هناك قرية أو مدينة تاريخية لم تحظ بدراسة كافية، فيصبح مشروع تخرج واحد نقطة البداية لسلسلة من الأبحاث المتخصصة حولها.

كما يمكن إنشاء مخابر بحث متعددة التخصصات وقواعد بيانات علمية وربطها بالمؤسسات المكلفة بالتراث.

والهدف ليس فقط إنتاج رسائل جامعية، وإنما تحويل البحث العلمي إلى أداة عملية لحماية التراث وتثمينه.

7 – لا قيمة لتراث لا يعرفه المجتمع

من المهم أن تصل المعرفة الأثرية إلى المواطن، فإذا بقيت المعلومات المتعلقة بموقع أثري داخل الملفات الإدارية أو الدراسات الأكاديمية فقط، فإن جزءا مهما من وظيفة التراث يضيع.

ولهذا يجب الاهتمام بإنتاج الأفلام الوثائقية، والكتب والموسوعات، والمقالات العلمية المبسطة، والمنصات الرقمية، والنماذج ثلاثية الأبعاد، والمعارض، والبرامج التعليمية. ويحتاج الطفل أيضًا إلى معرفة تاريخ المنطقة التي يعيش فيها فالطفل الذي يعرف أن بالقرب من مدينته موقعًا أثريًّا عمره مئات أو آلاف السنين، ويفهم قصته وقيمته، يكون أكثر استعدادًا للمحافظة عليه ومن هنا يبدأ بناء ثقافة حماية التراث.

8 – المواطن شريكٌ في حماية الآثار

لا يمكن للدولة وحدها حماية كل المواقع الأثرية من دون مشاركة المجتمع، فالمواطن الذي يبلّغ عن اكتشاف أثري، أو يرفض تخريب موقع تاريخي، أو يساهم في التعريف به، أو يحافظ على نظافته، أو يوجه الزائر إلى احترام قواعد الزيارة، يؤدي دورا مهما في حماية التراث.

كما أن المجتمعات المحلية يمكن أن تستفيد من وجود المواقع الأثرية من خلال السياحة والخدمات والحِرف والمنتجات الثقافية، مما يجعل حماية الموقع مرتبطة أيضا بالمصلحة الاقتصادية والاجتماعية للسكان.

وهنا تتحول العلاقة من:

الموقع الأثري← الدولة

إلى منظومة أوسع:

الموقع الأثري← الدولة← الجامعة← المجتمع← المواطن← الزائر.

9 – السياحة الثقافية: عندما يتحول التاريخ إلى تجربة

يمكن للموقع الأثري أن يكون عنصرا أساسيا في السياحة الثقافية إذا جرت تهيئته بطريقة مناسبة.

والزائر لا يحتاج فقط إلى مشاهدة الحجارة، بل يريد أن يعرف قصتها:

ما تاريخها؟ من بناها؟ كيف كان الناس يعيشون فيها؟ كيف كانت تدار المدينة؟ ما علاقتها بالمناطق المحيطة؟

ولهذا فإن اللوحات العلمية، ومراكز الاستقبال، والمرشدين المتخصصين، والمسارات المنظمة، والمتاحف القريبة، والوسائط الرقمية، يمكن أن تحوّل زيارة الموقع من مجرد مشاهدة إلى تجربة ثقافية ومعرفية.

كما يمكن في بعض المواقع المناسِبة تقديم خدمات متنوعة وتنظيم فعاليات ثقافية أو فنية، أو أنشطة مرتبطة بالبيئة والثقافة المحلية، بشرط ألا تؤثر هذه الأنشطة على سلامة الموقع وأصالته.

10 – المرشد السياحي ليس مجرد مُرافق

المرشد المتخصص يمكن أن يكون أحد أهم عناصر نجاح السياحة الثقافية.

والمرشد الجيد لا يكتفي بتقديم معلومات عامة، وإنما يستطيع أن يشرح للزائر تاريخ الموقع وعمرانه ووظائفه، وأن يربط بين عناصره المختلفة.

والزائر قد ينسى تفاصيل المبنى، لكنه غالبا يتذكر القصة التي سمعها عنه.

ولهذا، فإن تكوين المرشدين ينبغي أن يكون عالي المستوى، يشمل التاريخ والآثار وتاريخ العمران والثقافة المحلية ومبادئ حماية التراث، إضافة إلى مهارات التواصل واللغات الأجنبية.

كما ينبغي تنظيم ممارسة مهنة الإرشاد السياحي وفق الإطار القانوني المعمول به، مع اشتراط التكوين والشهادات والتراخيص المهنية التي تحددها الجهات المختصة وفرض العقوبات على المخالفين.

11 – المتحف ليس مخزنا للقطع الأثرية

المتحف يمكن أن يكون امتدادا للموقع الأثري، فالقطعة الأثرية المعروضة داخل المتحف تصبح أكثر قيمة عندما يعرف الزائر أين اكتشفت، ومن استعملها، وفي أي فترة، وما علاقتها بالمجتمع الذي أنتجها؟

ولهذا ينبغي تطوير العرض المتحفي، والاستفادة من التقنيات الرقمية، وإنشاء المعارض المؤقتة، وتنظيم الزيارات المدرسية والجامعية، وربط المتاحف بالمسارات السياحية والمواقع الأثرية.

وبذلك يصبح المتحف مؤسسة للبحث والتعليم والتثقيف، وليس مجرد مكان لحفظ القطع.

12 – من التراث إلى الاقتصاد

لا ينبغي النظر إلى الاستغلال الاقتصادي للتراث باعتباره أمرا يتعارض بالضرورة مع حماية الآثار.

المشكلة ليست في وجود النشاط الاقتصادي، وإنما في كيفية تنظيمه.

فالسياحة الثقافية يمكن أن تخلق فرص عمل، والخدمات السياحية يمكن أن تدعم السكان المحليين، والحِرف التقليدية يمكن أن تستفيد من المسارات الثقافية، كما يمكن للمؤسسات الناشئة أن تطور تطبيقات رقمية ونماذج ثلاثية الأبعاد ومحتوى تعليميا وسياحيا.

كما يمكن أن تساهم الأفلام الوثائقية والإنتاج الثقافي والنشر والمعارض والفعاليات في خلق قيمة اقتصادية وثقافية.

لكن القاعدة الأساسية تبقى واضحة:

لا يجوز أن يتحول الاستغلال الاقتصادي إلى سبب في تدهور الموقع.

بل ينبغي، حيثما يسمح الإطار القانوني والتنظيمي، أن يساهم جزء من العائدات في الصيانة والبحث العلمي وتحسين خدمات الزوار.

13 – الحماية قبل الترميم وقبل الاستثمار

قد يبدو الترميم في بعض الأحيان هو الحل المباشر، لكن الترميم نفسه يحتاج إلى دراسة.

التدخل غير المدروس يمكن أن يؤدي إلى فقدان جزء من أصالة الموقع أو تغيير عناصر تاريخية مهمة.

ولهذا تتوقف أعمال الترميم على إجراء دراسة علمية دقيقة، وتحديد المواد والتقنيات المناسبة، وتوثيق الحالة الأصلية للموقع.

وبالمثل، فإن إنشاء مرافق سياحية بالقرب من موقع أثري يجب أن يجري وفق رؤية تراعي حساسية المكان ومحيطه البصري والعمراني والبيئي.

والتراث ينبغي أن لا يُحفظ داخل مبنى فقط، بل يجب النظر إليه ضمن محيطه التاريخي والعمراني والطبيعي.

14 – نحو منظومة وطنية متكاملة

إن تطوير استغلال التراث في الجزائر يحتاج إلى الانتقال من العمل المنفصل إلى منظومة شاملة متكاملة.

وتبدأ هذه المنظومة بالجرد والتوثيق، ثم البحث العلمي، ثم الحماية والترميم، ثم التعريف والنشر، ثم التعليم والتكوين، ثم السياحة الثقافية، وأخيرًا الاستغلال الاقتصادي المستدام.

ويمكن تصورها في سلسلة بسيطة:

الجرد -التوثيق -البحث -التقييم -الحماية -الترميم -التعريف -التثمين الثقافي والسياحي -الاستغلال الاقتصادي المستدام -إعادة استثمار جزء من العائدات في الحماية والبحث.

هذه الحلقة هي التي يمكن أن تجعل التراث موردا متجددا بدل أن يبقى مجرد رصيد تاريخي ساكن.

15 – التراث مسؤولية الأجيال

إن حماية التراث ليست مجرد المحافظة على الماضي، وإنما هي أيضا مسؤولية تجاه المستقبل.

وما نملكه اليوم وصل إلينا من أجيال سابقة، وما نحافظ عليه اليوم سيصل إلى أجيال لم تولد بعد.

وقد لا نستطيع المحافظة على كل شيء بالطريقة نفسها، لكن يمكننا أن نضمن ألا تضيع المعرفة المتعلقة بما نملكه، وأن يجري توثيقه ودراسته وحمايته بالوسائل العلمية المتاحة.

والتراث الذي لا نعرفه يصعب حمايته، والتراث الذي لا نوثقه يمكن أن تضيع معلوماته، والتراث الذي لا نشرحه للمجتمع قد يفقد جزءا من قيمته، والتراث الذي نستغله من دون ضوابط قد نفقده.

خاتمة: من حفظ الآثار إلى صناعة المعرفة

تمتلك الجزائر ثروة تراثية تتجاوز قيمتها المادية المباشرة. إنها ذاكرة البلاد، وشاهد على تاريخها، ومصدر للبحث العلمي، ووسيلة للتعليم، ومجال للتعريف بالهوية الثقافية، والمساهمة في السياحة والتنمية الاقتصادية المحلية. لكن الاستفادة من هذه الثروة تتطلب تغيير طريقة النظر إليها فالآثار ليست مجرد مواقع ينبغي حراستها، وليست مجرد أماكن يمكن أن يقصدها السياح، وليست مجرد موضوعات للبحث الجامعي؛ إنها منظومة متكاملة يمكن أن تجمع العلم والثقافة والتعليم والسياحة والاقتصاد والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذه المنظومة هي

الحماية أولًا، والعلم قبل الاستغلال، والتثمين من أجل الاستدامة. وإذا استطعنا أن نعرف مواقعنا الأثرية، ونوثقها، ونفهم تاريخها، ونحميها، ونشرحها للمجتمع، ونربطها بالجامعة والسياحة والثقافة والاقتصاد، فإننا لا نحافظ فقط على آثار الماضي، بل نبني من خلالها معرفة جديدة وفرصا جديدة للأجيال القادمة .

إن أعظم استثمار في التراث ليس أن نبيع تذاكر لزيارة موقع أثري فحسب، وإنما أن نجعل هذا الموقع مصدرا دائما للمعرفة والوعي والهوية والتنمية، دون أن نفقده في سبيل ذلك.

**

* إن تعقيد التراث يجعل من الصعب أن يستطيع اختصاصٌ واحد تفسير جميع جوانبه؛ فعالم الآثار يحتاج إلى المؤرخ، والمهندس المعماري يحتاج إلى عالم الآثار، والجيولوجي والكيميائي يمكن أن يقدما معلومات عن مواد البناء والاكتشافات، والجغرافي يمكن أن يساعد في فهم علاقة الموقع بمحيطه، كما يمكن لتقنيات الاستشعار عن بُعد ونُظم المعلومات الجغرافية أن تكشف أنماطا وتغيرات يصعب رؤيتها بالوسائل التقليدية.

* يجب على الجامعة أن تؤدي دورا أكبر في هذا المجال، فمئات الطلبة في تخصصات الهندسة المعمارية والآثار والتاريخ والجغرافيا والهندسة والعلوم وغيرها يمكن أن يشاركوا، من خلال مذكرات التخرج ورسائل الماجستير والدكتوراه والمشاريع البحثية، في توثيق المواقع ودراستها.

وقد تكون هناك قرية أو مدينة تاريخية لم تحظ بدراسة كافية، فيصبح مشروع تخرج واحد نقطة البداية لسلسلة من الأبحاث المتخصصة حولها.

* من المهم أن تصل المعرفة الأثرية إلى المواطن، فإذا بقيت المعلومات المتعلقة بموقع أثري داخل الملفات الإدارية أو الدراسات الأكاديمية فقط، فإن جزءا مهما من وظيفة التراث يضيع.

ولهذا يجب الاهتمام بإنتاج الأفلام الوثائقية، والكتب والموسوعات، والمقالات العلمية المبسطة، والمنصات الرقمية، والنماذج ثلاثية الأبعاد، والمعارض، والبرامج التعليمية. ويحتاج الطفل أيضًا إلى معرفة تاريخ المنطقة التي يعيش فيها ومعرفة قيمتها ليتعلّم المحافظة عليها.

* لا يمكن للدولة وحدها حماية كل المواقع الأثرية من دون مشاركة المجتمع، فالمواطن الذي يبلّغ عن اكتشاف أثري، أو يرفض تخريب موقع تاريخي، أو يساهم في التعريف به، أو يحافظ على نظافته، أو يوجه الزائر إلى احترام قواعد الزيارة، يؤدي دورا مهما في حماية التراث.

مقالات ذات صلة