الرأي

التسفيه الشامل

نصر الدين قاسم
  • 1715
  • 10

يتداول بعض الجزائريين بكثير من السخرية والتنكيت قصصا غريبة حدثت أثناء حكم الدايات في الجزائر المفعم بالفوضى والاغتيالات، لعل أكثرها غرابة خلاف طائفة الرياس – قوات البحرية -، وفرقة اليولداش – الجيش البري التركي – حول من ينصبونه خليفة للداي المعزول وكيف اهتدوا إلى اقتراح – أقرب إلى النكتة – ارتضاه الجميع حلا للأزمة.. إذ اتفقوا أن تخرج ثلة منهم في الصباح الباكر من قصر الداي إلى باب عزون وتنقل أول شخص يصادفونه إلى القصر ويعينوه دايا على الجزائر.. وحدث أن كان الرجل المحظوظ اسكافيا هرما أشعث أغبر من قدماء الجيش الانكشاري أدخلوه القصر وغسلوه ونظفوه وحلقوا شعره وقلموا أظافره وألبسوه البرنس الأحمر، فأمسى الإسكافي دايا كبيرا..

هذه القصة يرويها الشيخ الميلي لكن باختلاف في بعض التفاصيل حيث كتب: “… واجه الداي هذه المعارضة بإعدام بعض الضباط الأتراك مما أدى إلى انتشار السخط في صفوف الجنود الأتراك، وسرعان ما تحول السخط في صفوف الجنود الأتراك إلى تمرد علني، فهاجم الجنود القصر يوم 5 أوت 1695- ذو الحجة 1106 – ووضعوا شعبان باشا في السجن. ومن الغد عثر بعض الجنود المتمردين بجندي تركي قديم، اسمه الحاج أحمد أصبح إسكافيا، كان جالسا أمام منزله، فحملوه على الأكتاف وأعلنوه دايا على الجزائر، وقد حكم الداي الجديد بإعدام شعبان باشا.”*

ولا يخلو العهد العثماني في الجزائر من حوادث لا تقل غرابة.. هذه وتلك من القصص توضح درجة التسفيه والعبث الذي قد يحدث عندما تستفرد بمصير العباد والبلاد ثلة من المستبدين “والعسكر” وتخضع الأمور لمصالحها، ونزواتها، فتُفرغ الأشياء من محتواها، ولا تقدر المناصب حق تقديرها.. وتنتهك القيم وتلغى الحدود، فيؤول الأمر لغير أهله، ويطمع الناس في كل شيء دون حياء، ويصبح كل شيء مباح، فلا يتحرج الدباغ في طلب الإمارة ولا التاجر في طلب الرئاسة ولا الصعلوك في طلب الوزارة، ولا الراعي في طلب السفارة، ولا السفيه في طلب الإدارة… فلا أحد من هؤلاء وغيرهم يرى نفسه أقل من المنصب مهما كانت أهميته ولا يرى أن شيئا يعجزه بحجة أن من تولوا المناصب والإمارة والإدارة والرئاسة ليسوا خيرا منه مهما أوتوا من علم وكفاءة..

وما كان لهذه المظاهر أن تنتشر وتصبح قاعدة في البلاد لو لا ترسب سياسات التسفيه الشامل التي مارستها السلطة وطالت مختلف مناحي الحياة حتى ساد الاعتقاد بأن كل شيء متاح وكل حلم مباح وبلا حدود، ولما تداعت الدهماء على “التحرش” بالرئاسيات كما تداعى الأكلة إلى قصعتها..

 

* مبارك الميلي تاريخ الجزائر في القديم والحديث. الجزء الثالث.ص 196 – 197

مقالات ذات صلة