الرأي

التشخيص الخاطئ على الدوام

عندما يقدم الطبيب، تشخيصا خاطئا لحالة مرضية، فهو بالتأكيد سيساهم في مزيد من الأوجاع لمريضه، وربما سيقصّر من المسافة التي تفصله عن الهلاك، وما يحدث من أوجاع في الجزائر، ومن سوء تشخيصها، هو الذي جعل الأورام تفرّخ وتعطي أمراضا أخرى، ما كان أحد يتصورها.

 فقد أبانت الأزمة التي تشهدها غرداية، أن التشخيص المقدّم للحالة هو الذي أطال من عمر الحالة، حيث أضاعت الدولة الكثير من الوقت، في تكليف بعض الرجالات – ربما من أصحاب النوايا الحسنة – لتقديم التشخيص وحتى العلاج، ولكنها فشلت عندما جاءتها تقارير مبنية على العاطفة، فظنت أولا أن ما يحدث هو فتنة مذهبية بين مالكيين غالبيتهم لم يقرأوا للإمام مالك جملة واحدة، ولا نقول كتابا واحدا، لأنهم مسلمون من أهل السنة، وبين إباضيين نعلم جميعا أنهم لم يقولوا أبدا أنهم مختلفون عن المذهب المالكي وغيره من مذاهب أهل السنة، وظنت ثانيا أن أياد أجنبية هي ما يحرّك هاته النعرات التي تلونت للأسف بلون الموت، رغم أن الحكومة الجزائرية اعترفت بوقوع قرابة عشرين ألف احتجاج، بعضها كان داميا في كل ولايات الوطن من دون استثناء، خلال عام 2013، وكانت كلها ضمن الحراك الاجتماعي الذي اقتصر على المطالب الاجتماعية من سكنات وبناء ريفي ومناصب عمل، وإذا تواصل إلباس المئزر الأبيض لغير أهله في الجزائر لتشخيص الداء وتقديم الدواء، فإن الحالة ستصبح في القريب العاجل مستعصية، إن لم تكن قد بلغت هذه المرحلة الصعبة، وحتى في قضية الحليب الذي بدأ يهدّد بتكرار اضطرابات الزيت والسكر، التي شهدتها الجزائر منذ ثلاث سنوات، فإن وزارة التجارة قدمت أكثر من تشخيص للحالة، فهي مرة تبرئ منتجي الحليب، وأخرى تقدم شرحا لغويا لكلمة تذبذب، وتراها غير مرادفة لكلمة ندرة، وفي كل التشخيصات التي قدمتها لجأت إلى علاج لا يحتاج إلى كل هذه اللجان التي كلفتها الوزارة بالتحقيق وصرف المال العام، عندما قرّرت مزيدا من الاستيراد لمادة الحليب كما فعلت سابقا مع الزيت والسكر ومع غيرها من المواد الاستهلاكية، وفي كل الأوجاع والآلام علم الجميع أن الدولة صار همها الوحيد هو شراء السلم الاجتماعي، ومشروعها الوحيد هو صرف المال العام في غير محله، فاتحد الجميع على ليّ ذراعها، في بلد صار يمد يده نحو الغطاء النباتي لأجل تحويله إلى سكنات ريفية، وعمارات مدنية، ونحو “بقايا” آبار النفط لأجل إطفاء هاته النار المشتعلة في الشمال، وأيضا في الجنوب.

المشكلة ليست في الذين حملوا الحقائب الوزارية والبرلمانية ورجال السلطة، فقط، وإنما أيضا في هؤلاء الذين يتحيّنون فرصة التقدم لطلب يد أريكة المرادية، حيث اكتفوا بدور المتفرج على المشهد ولم يقدموا أبدا، ولو رأيا في الوضع الحالي، وذلك أضعف الإيمان، وهم يعلمون أنهم إن وصلوا إلى السلطة سيرثون أوراما، سيكون تشخيصها من دون معنى، بعد أن يكون الجسد قد بلغ درجة الموت الكلينيكي.

مقالات ذات صلة