الجزائر
دموع... ذكريات وتحد لاستئناف مليونيات التشجير

التفحم عوض الاخضرار… جزائريون يعودون إلى آثار محرقة الغابات

س. ر
  • 410
  • 0
ح.م
تعبيرية

أنهت مختلف الحرائق، التي آلمت الجزائريين في النصف الثاني من شهر جويلية مهمة إبادتها للأخضر في مصيبة بيئية لا مثيل لها، وبينما بوشر في إحصاء الخسائر التي تكبدها موالون ومزارعون أصبحوا من دون حقول ولا مواشي ولا حتى مساكن وآبار للماء. توجه عشاق البيئة ليس من باب الفضول ولا من باب البكاء على أطلال الأخضر، وإنما رفض للواقع الجديد الذي حوّل المساحات التي كانت تأسر كل من يشاهدها إلى فحم ورماد يهز المشاعر الجامدة، فما بالك بالذي لا راحة بال له سوى الاخضرار.
ياسين وهو من مشاهير المغردين حول الحيوانات البرية في الجزائر، يبتهج بالدب الأطلسي الذي ظهر في تيارت، والنمر الذي ظهر في إيليزي، ويحصي بالرأس، قطيع الأيل البربري الذي ينمو في جبال ماونة بقالمة.
ياسين حمل كاميراته وقلبه الجريح وتوجه إلى جبال قالمة يلتقط صورة سوداء داكنة اللون، وهو الذي التقط منذ ثلاثة أشهر مئات الصور من نفس المكان، وفيديوهات ناطقة جابت كل بقاع العالم عن أخضر الجزائر، ياسين بعد أن ذرف دموع الحسرة والحزن والأسى، وتاه بين الرماد والسواد، استجمع قواه وكتب: “كانت خضراء وهي الآن سوداء، وستعود للاخضرار.. موعدنا في زمن التشجير”.

مع كل صورة بائسة… صورة مخضرة
على صفحته على “الفايس بوك”، التقط ياسين الكثير من الصور السوداء التي ترسم مأساة الحريق، ولكن ياسين رفض أن يبث أي مقطع عن الحريق وآثاره من دون أن يعود لمتابعيه بصور الربيع ويعد بأن تعود يوما ما الصور الخضراء إلى نفس المكان المتفحم.
ويعلق على محتواه مواطنون من كل مكان، يقسمون بأن أيادي الشر ستخسر في غاباتنا، ورفضوا جميعا أن تغرس فيهم صور الخراب والدمار الذي تعرضت له الثروة الغابية التشاؤم والطاقة السلبية، بين من يعرف بأن الجنة هي دائما ما تتغلب على النار، وبين من يضع نفسه تحت تصرف أي جمعية خضراء طوال السنة في حرب الغراسة.
المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي منذ أول شرارة ابتلعت هكتارات غابات قالمة، تحاشى كثيرون نقل الصور الباعثة للحزن، واكتفوا بما يشبه التأبينيات على حال الغابة والبيئة والنباتات والحيوانات من برية ومن طيور وحشرات وزواحف التي تلتقط حياتها وأوكسجينها من هذه الغابات التي ذهبت، ولكنها ستعود.
معلقا على صور ياسين قالها يأسا وربما عن غير قصد: “أقترح إزالة الغابات نهائيا لننجو من مثل هذه الحرائق صيفا” فناله ما ناله من آلاف التعليقات التي طالب بعضها بنزع الجنسية منه وإخراجه من الجزائر وحتى بتخوينه.
الزائرون للغابات بعد أيام من النار، حافظوا على تفاؤلهم عندما لاحظوا بعض الأشجار التي قاومت النيران في مصيف القل بولاية سكيكدة، حيث التقط مواطنون صورا لغابة محترقة بالكامل، ولكن قلبها بقي أخضر وعلموا بأن هناك مجموعة من الأشجار التي تقاوم النار.
ونصح عماد شهاني، وهو من جمعية خضراء بالانتقال إلى غراسة الأشجار المقاومة للهيب النيران ذات اللحاء السميك، من دون نسيان الصنوبر الذي يعتبر من أهم الأشجار التي تدفن بذورها تحت الأرض وما تفتأ أن تنبت بعد كل عاصفة نارية.
والجزائر في الحقيقة، غنية بالأشجار المقاومة للنار وعلى رأسها أشجار البلوط والقيقب، فهي تقاوم الجفاف الذي ميز مناخنا في السنوات الأخيرة، والنار التي صارت تزور غاباتنا مع كل صائفة.

عائلات تزور أماكن استجمامها في الربيع
اصطحب رفيق من قسنطينة يوم السبت أبناءه الثلاثة إلى حظيرة المريج بقسنطينة في جولة فضول، وكان في كل ربيع يحول يومي الجمعة والسبت إلى يومين للاسترخاء بين أشجار هذه الحظيرة الطبيعية التي تسقي زورها ماء وعطرا وأوكسجينا. لم يتوقف الأبناء عن الحسرة وحتى عن البكاء وهم يشاهدون هذه المناظر السوداء المحطمة للقلوب، يقول رفيق: “لم أكن أريد زيارة المكان رفقة أبنائي، ولكنهم أصروا على مرافقتي، ما كان يمزق قلبي، أن أحد أبنائي ظل يشغل ذاكرته ويحدث شقيقه عن الشجرة التي كانا يتخفيان في ظلالها عندما يلعبان الغميضة، ويخبره بأن النار التهمتها، ثم يقول له سنغرس غيرها، ثم يتأسف، لأن نموها يتطلب سنوات ستخرجهما من عالم الطفولة.
أما عن المسافرين عبر الطرق الوطنية والولائية في ولاية جيجل، فإنهم حتى ولم امتنعوا عن المشاهدة، فصور الدمار تأتيهم بالقوة، خاصة على مستوى زيامة منصورية وتاكسنة وجيملة وغيرها، منظر أسود ورائحة الرماد مازالت لحد الآن تجبرك على الحزن.
تقول لبنى التي من عادتها أن تختار دار الشباب بزيامة منصورية للاصطياف مع أبنائها الثلاثة: “كنت أتلهف في كل صائفة لزيارة زيامة منصورية التابعة لولاية جيجل وعلى الحدود مع ولاية بجاية، لأجل التمتع بمناظر الخضرة في الطريق أكثر من زرقة البحر، لكني هذه المرة عدت وكأني فقدت عزيزا غاليا على قلبي”. لبنى دخلت ولاية جيجل بتفاؤل أخضر قبل النار وغادرتها بأسى السواد بعد النار.

مقالات ذات صلة